الصبح هذه البقيا من الأحلام تنفِر خفافًا وثقالًا دون أن تضيء لي معانيها بأشعتك التي تنبعث من مصباح الحب على كل جهة في الأرض فعسى أن تكشف لي منها عن بقية من أحلام تلك الحبيبة التي أسرفت في دلالها حتى إنها لو ملكت البخل لبخلت به فأتبين ما فيها من تصورات نفسها وأمزجها بنفسي؟
آه! ليت الهواء الذي تتناثر فيه قبَل الحسناء، وليت نسيم الصبح الذي يحمل إلى الغيب أحلامها - مما يمكن أن يحرز ويُدخر؛ إذن لكان في الحب شيء أسمى من الخلود نفسه؛ ولكن هيهات هيهات! فما رأيت كالمحب لا يملك من الماضي إلا ذاكرته، وهي مع ذلك تردُّ عليه لذَّات الماضي كلها حسرات! وإن الظفر بزهرة ناضرة معقودة في غصن قد ذوى وتَحاتُّ ورقة لأيسر منالًا من بقاء قبلة واحدة في ذاكرة المحب حافظةً نضرتها وعطرَها من أنفاس الحبيبة وريقتها!
هكذا كُتِب على الحب أنه من تولاه فإنه يدعُه على حال كأنه فيها روح لا جسم له، فمهما يُصب من لذة أو ألم فإنه يتحول معه إلى اللذة والألم جميعًا فيكون ألمًا لذيذًا؛ ومن أجل ذلك خُصَّ المحبون من بين الناس بكثرة الشكوى؛ لأنهم يستلذون آلامها، والعاشق الذي لا يستطيع أن يُنفِّس من شكاته أو لا يجد من يستريح إلى بَثه لاعجَ الشكوى مما برح به إنما هو في الحقيقة المثال الإنساني الشاذ الذي يمكن أن يتعرض منه العلماء معاني الجنون مع بقاء عقله، فهو المجنون العاقل.
لشَدَّ ما أحاول أن أصف الحب وصفًا طبيعيٍّا يدنيه من هذه