الأفهام الغليظة الجاسية التي تريد أن يُخلق فيها الحب من أوصافه لتفهم الصفة والموصوف معًا ... وإن الإنسان ليستطيع أن يحيل الجمر فيجعله رمادًا، ولكنه متى همد الجمر بقي رماده كأنه همود القدرة الإنسانية نفسها فلا سبيل من بعدُ إلى بعث الحياة النارية فيه؛ وقديمًا كان هذا من شقاء أهل العقول في الناس؛ فإن المصلح يستنفد قُوى عقله فيهم ولا يزال يأتيهم بكل شيء عفوًا سهلًا لا احتباس في أمره حتى يأتي الموت على نفسه، ثم لا يكون إلا أن يعرفوا بعد ذلك أنه كان مصلحًا ... كالذي ينظر حتى يَحُور الجمر لعينيه رمادًا فيعرف من الرماد أنه كان جمرًا، ولو فهم الناس الحب على حقه لاستجدُّوا لأنفسهم عقولًا، فإن الطبيعة نفسها متى أرادت أن تجدد إنسانًا لتبعث منه رجلًا من رجالها، شاعرًا أو حكيمًا أو بطلًا، تجلت على نفسه في صورة إحدى الحسان وتركته محبٍّا، فلا تكون آلام الحب وآماله في باطنه إلا تغييرًا نفسيٍّا كأنه على ذلك إنما يُهدم ويُبنى.
وأعرف رجلًا كأنه نزغة شك بين أهل العزائم، وهو من أولئك الذين لا يعرفون الحب إلا عبثًا من العَبث وباطلًا من البطالة، وقد جعل يصفه مرة بأنه جنون أو نوع من الجنون، وأن الشباب ينتحر به انتحارًا لذيذًا كما ينتحر الصيني بالأفيون، إذ يستل روحه فيتأمل في جوانبها ويتلمى بإشراقها ويلذُّ هنيهة بأجمل ما صنع لله ثم يردها مريضة كليلة قد حال من الخمود حالها، ثم يُفيق وينبعث كأنه مطرود من السماء - ورآني صامتًا كأنما تبعثرت نفسي [1] فمر في هذيانه عَجِلًا
(1) ـ أي جاشت وغثت وانقلبت ونحوها.