واحد، فيكون عقلًا كله أو قلبًا كله أو بطنًا كله؛ لأنه لا يتم بواحدة من تلك إلا إذا كان فيه العالم كله. إنما هي ثلاثة: المبدأ الشريف للنفس، والفكر السامي للعقل، والحب الطاهر للقلب؛ هذه هي معاني الكمال الإنساني.
وإذا أنت رأيت من ينتحل الحب جبانًا بكيئًا متبلدًا كأنه حشرة في ترابها، ورأيته يبكي بجوارحه وأعصابه المتألمة بدموع أقبح من صبيب العين الرمداء يَغسل بها الحب ليجعله طاهرًا بزعمه كما يغسل الميت ... فاعلم أنه راجع من آخر الطريق وهو يحسب ظلَّه أنه في أولها؛ لأن عواطفه قد هرمت وأقبلت تدلف في سبيل الحياة، ولا غرو فإنك ترى الطفل يتدفع مسرعًا كأنه واثب إلى المستقبل، والشيخ يتسكع مبطِئًا كأنه منقلب منه؛ والحب والحياة شبيهان في الطفولة والهرم.
آه! ما أبعد ما أحاول وصفه، فإننا نلتقي ألفاظنا الكثيرة في هذا الشعور العميق الذي نسميه الحب ونظن أننا استخرجناه فيها وأن الألفاظ قد لبسته حتى لا فضلة منه؛ وما أشبه ذلك من عملنا بصنيع رجل يدلي في أبعد غَور من المحيط حبلًا قد طاول به شعاع الشمس حتى إذا هبط القاعَ جذبه فلا يجد فيه من المحيط كله إلا قياس العمق في لجة واحدة يومئ إليه بلل قليل من نضح الماء.
ماذا تبلغ العبارة من حب تخرج كل أنة فيه وكأنها صوت انقطاع خيط من خيوط الحياة في القلب؟