الصفحة 26 من 128

شبَّت حوله جوانب الأرض سعيرًا يتلظى لما عدت أن تكون نارًا يُنضج بها غذاء تاريخه الشره.

فمتى نفذ حكم السماء وتمت كلمة ربك واستغفرت الأرض من سيئتها التي نزل بها العقاب لأجلها، أحس ذلك الرجل أنه إنسان وأنه بدأ يعرف الحياة واستشعر ظلٍّا يمر على نفسه وهو لا يعرف أنه تراب قبره الذي يتساقط إلى الأرض شيئًا فشيئًا حتى يجتمع، ولا يكون إلا ريث يتهيأ منه مقدار يواريه حتى يعرف الموت إذ يغدو على الأرض يتفقد الحفَر الخالية ويجمع منها الأوراق الذابلة التي نثرها القضاء من شجرة الأعمار.

هذا هو الرجل الإلهي الذي لا ينثني؛ لأنه الحق، ولا ينحرف؛ لأنه العدل، ولا يخاف؛ لأنه البأس، ولا يضعف؛ لأنه القوة، ولا يحيف؛ لأنه الإنصاف؛ ولو تعلق به أهل الأرض جميعًا لمشى بهم مطمئنًا؛ لأنه في نفسه كقطعة من نظام السماء الذي يجذب الأرض في فضائها.

وهذا هو الرجل الذي يتعرف به الناس معانيَ الاصطلاحات النفسية القوية،

كالشهامة والنجدة والصدق والإخلاص والإيثار وما إليها من سائر المفردات التي يتألف منها معجم الفضيلة.

وهو في كل ذلك كأنه قاعدة من قواعد العلوم، تعطيك المثل الذي تريده لأنها هي ذلك المثل لا لأنها تعطي وتمنع.

فلو أريد ذلك الرجل على الخيانة واللؤم والجبن والتملق ونحوها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت