الصفحة 33 من 128

متى لبستَ تعريفه، فتسعد بعشرين أو ثلاثين سعادة متباينة، ولا ضَيْرَ أن تبقى بإزاء كل هذا النعيم بائسًا في يقينك الذي لا دليل عليه إلا ما تحس به أنت، وما يقينك هذا أيها الأحمق بجانب ثلاثين ظنٍّا من ظنون الفلاسفة! إنهم لا يعتدُّونك شقيٍّا البتة حتى تشقى بثلاثين نوعًا من البؤس كما سعدت بثلاثين نوعًا من السعادة ... !

كلمتان هما تعريف السعادة التي ضل فيها ضلال الفلاسفة والعلماء، وهما من لغة السعادة نفسها؛ لأن لغتها سلسة قليلة المقاطع كلغة الأطفال التي ينطوي الحرف الواحد منها على شعور النفس كلها. أتدري ما هما؟ أفتدري ما السعادة طفولة القلب! ذاك أيها القمر وإني لأحسك ذلك أن قلبي يطرح على ساحل أشعتك بقايا ما فيه من الآمال المحطمة التي طال مثواها في لُجج الهم، كبقايا الغرقى في أعماق اليم؛ وليت شعري ما عسى أن تجدي هذه البقايا؟ إنها أثر من رجاء ماضٍ في زمن وقع وانقطع، أو كلمة طيبة قد مات أهلها، أو شعاع ابتسامة أخلدها الحب في قلبي؛ لأنها روح شبابي والأرواح خالدة، أو معنى حزين تُعشقه الدموع فلا تزال تنازع إليه، أو قطعة مُثلَّمة من الذكرى تمر الأحزان من صدوعها أو آمال في المستقبل البعيد كأنها أحلام يعِدُّ بها النائم نفسه قبل أن ينام ... ويكسوها الهم البليغ ثوب الاستعارة فيتخيلها ابتسامات من السعادة كما يرى المدمن في عناقيد الكَرم سحابة من الخمر، أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت