الصفحة 34 من 128

بقية من حياة معذبة، يقول فلاسفة البؤس: إن القدر أبقى عليها؛ لأنها من حصة القضاء، ويقول حكماء الإيمان: إنها بقية رأينا ثمة عناية «أي الغاية» معلومة لغاية مجهولة متى انتهينا في طريق العذاب إليها لله!

فدعني أيها القمر أحمل بقايا عمري: إني كلما قطعت مرحلة في سبيل الحياة وضعت عندها أحمالي وعدت أدراجي لأجمع ما يكون قد تناثر مني، فأقطع كل مرحلة ثلاث مرات؛ أما إحداها فأكون فيها كالشيخ الفاني يَدلف مثقلًا بأيامه، وأما الثانية فأمضي فيها خفيفًا لا أحمل إلا النوم في أجفاني، وأما الأخرى فأعود منها بأثارة من الأحلام تخف على نفسي لولا ما يخالطها من ثقل الفكر في قطع مرحلة النهار الجديد.

ولو كنت من السعداء لسخر لي القدر من يحمل عني، بل لكان ظلي نفسه حمالًا ... وإذا أردت أن ترى قومًا يرثون من لم يلدهم ولم يكن من ذوي قرباهم ولم يمت إليهم بسبب واصل فانظر إلى البائسين؛ فإن كل منهم يحمل أثقاله وأثقالًا مع أثقاله. وليس أخف من أحمال البؤس وحده؛ إذ هي لا تعدو الجوع الذي تكسر شِرَّته بكسرة من الخبز، والتعب الذي يذوب في غمضة العين ساعة النوم، وما عدا ذلك؛ مما يحمله البائسون فإنما هو من أثقال السعداء؛ لأنه لا بد من ظهور للحمل ... فمن يحمل الأمراض التي لا قوام للعالم إلا بها مدة صحة السعداء؟ ومن يحمل الهموم مدة نعيمهم واغترارهم ومن يحمل الدموع مدة ضحكهم وافترارهم؟ ومَن ومَن ومَن إلا هذا البائس الذي تصيبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت