الصفحة 36 من 128

أشد خزيًا، ثم يموت وقد جهد بالموت وجهد الموت به، فيصعدان وكلاهما متباطئ والموت ما يكاد يحمله ويحمل نفسه، لا كما يموت الفقير خفيفًا هادئًا كأنه طائر بسط جناحه وطار، ولا كما يصعد خفيفًا هادئًا كأنه معنى جميل تذهب به رسالة معطرة.

وأكبر ظني أن بعض الأغنياء يموت في الأرض وينتهي إلى السماء ميتًا ولا يحيا هناك إلا بعلاج ... يدفع ثمنه ببدنه الذي لا يملك في الآخرة غيره، كما يدفع السجين المفلس للحكومة أجرَ ما يأكله في سجنها من أعماله.

وما كتب الملائكة قط صحيفة هي أشام طائرًا في السماء من صحيفة غني حين

يحتضر، وهذه الصحيفة التي تطير بمعانيها هي التي تنطبع فيها ظنون النفس الراحلة سطورًا كأنها «فنغراف» الموت، وأحسب أن السطر الأول من «الظنون الغنية» يكون جبنًا شديدًا، ويكون السطر الثاني خلاء لأنه موضع رعدة فلا تثبت فيه يد الملك، ويكون الثالث ندمًا، والرابع مجازفة، والخامس رجاءً مستحيلًا، والسادس أملًا مضحكًا، والسابع: كلمات ركيكة من الإيمان الضئيل، والثامن: حروف خيالات من الماضي الأثيم كأنها مقبلة بمخازيها؛ أما ما بقي مما يوفى على التتمة فإلى الله أمره، وفي الثمانية ما إن قليله أهل لأن يستعظم فيستعاذ بالله منه.

وما كل الأغنياء يلقون ربهم بمثل هذه الصحيفة السوداء، إن أريد إلا الغنى الذي يعيش فقيرًا ليموت غنيٍّا، فترى أمواله أرقامًا لا عداد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت