الصفحة 38 من 128

طبقات الغنى دون طبقات الهواء؛ لأن الفقير ينظر إلى الغنيِّ بإرادته لا بعينه، فإذا كانت إرادته في الغنيِّ لا حد لها فهو لا يرى حدٍّا للغنيِّ بل قد يراه من الارتفاع والسمو في مكان لو قذفه منه بكلمة سخط لقتله ... ! وكذلك يلقى الغني عينيه حين ينظر إلى الفقير ولا يراه إلا بهواه ولذاته؛ فقل الآن في قصر كأنه من الدنيا صدَفة تنفتح عن لؤلؤتها، قد بالغ صاحبه في زُخرفة وأوسَعه من شهوات نفسه وأقامه على الأرض كأنه ليس منها ثم يدخله ظامئًا ظمأ الشباب وقد ملكته سورة العافية ويجول في أبهائه وحجراته متشاوسًا ما يُمسك عطفيه كبرًا وخيلاء، وينتهي إلى أجمل موضع منه فإذا هو لا يرى ثمة إلا ثوبًا أدكن مُغبرًا كأنه منسوج من أجنحة الذباب وقد بلي وتهتك واستوضحت في جوانبه رقع بادية من أضلاع فقير بائس قامت به رئتاه [1] فما ينفك يصب فمه دمًا وصديدًا وهو مهزول يضطرب في ثوب أضيق من رئته وما يكاد يملؤه كأنه بقايا عظام الميت في كفنه القديم!

ولو عقل الفقير المسكين لعرف أنه مهما صغرت قطعة الزجاج الملونة فإنها تصبغ الفضاء الواسع كله بلونها في رأي العين، فالفقر هو الذي صبغ الغني بألوانه البهجة الرفافة لا الغني، ولو صح نظر الفقير لصحت قيمة الغني ولصار أمر هذا القياس إلى الحاجة التي لا بد منها

(1) ـ كناية عن المرض بالسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت