الصفحة 39 من 128

لكليهما، وهما سواء فيها، يجدها الغني بلا كد فمتى تناولها أتعبته وملها، ويكدح لها الفقير فمتى تناولها أراحته ورضيها أكثرها وأقلها، وحين ينام كلاهما ويخرجان عما في أيديهما على قلته وكثرته وينطرحان على تراب الأبدية الذي يتساقط به الليل ويرتقبان جميعًا من رحمة لله نهارًا جديدًا، فحينئذ لا يراهما الناظر إلا جثتين على صوغ واحد لا يعلم أيهما التي يمسكها لله وأيهما التي يرسلها فتستيقظ! وكأنهما على تلك الحال إنما افترفا طويلًا بالفقر والغنى عن طاعة لله فتنافرا وتدابرا ثم التقيا لوجهه بغتة فخر كلاهما صعقًا.

ليهنأ الفقير أنه الأساس القائم من الأحجار الصلبة في بناء هذا المجتمع وأن الترميم لا

يتناول إلا ما فوقه، ولا تكون الصلابة بلا شيء فإنما يشتري الإنسان بفقره نعمًا كثيرة من لله، ولكن اللؤم يسول له أن يساوم الناس عليها فلا يجد من يشتري منه إلا قوته وعمله؛ لأن الأيدي التي خُلقت لحمل الذهب لم تخلق لحمل العالم، فيبتئس هذا الفقير ويحسب أنه وحده البضاعة المزجاة التي لا تقوم في سوق الغنى بثمن إلا بضع رغفان من الخبز، فتجف أصول الدموع اللينة من عينيه ولا يبقى فيهما إلا اللحاظ الخشنة، وتصبحان في نظرهما إلى الفضائل كأنهما عينا بندقة الصائد يسددهما إلى الطيور الجميلة فلا تقذفان

إلا بالموت، ويصبح هذا الفقير البائس وقد خلط فضائله الرثة من متاع بيته القذر، ولا يزال بنفسه يروضها ويسري عنها الخوف المطمئن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت