الذي هو معنى الإيمان حتى تزول عنها كما يزول النهار فإذا هي حالكة عمياء، ويخرج التعس من الفقر كما خرج من الغنى!
ولا عجب أن يخرج بائسمن الفقر؛ فإن وراء هذا الفقر منزلة أخرى لا ينحدر إليها إلا أتعس خلق لله وسبيلها من الفقر نفسه! تلك هي الجريمة! ولا تحسبن الأغنياء المجرمين على غِنى؛ فإن كل شيء يسرق حتى الغنى، وحتى اللص يسرق نفسه من يد الشرطي بعد أن يكون قد جمعها عليه، والفقير الذي يطمح إلى الغني كالغني الذي يطمح إلى ما هو أغنى: كلاهما فقر وكلاهما طريق إلى الجريمة! ويحك لِمَ تبتئس أيها الفقير؟ الغني يريد أن يجعل حظوظ الناس جميعًا حظٍّا واحدًا ليخص نفسه بهذا الحظ ... وأنت تريد أن تختصب حظ الغني ... فماذا تركتما لله يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء؟
إن لله قد ائتمنك على أثمن الفضائل وأعزها من الصبر والقناعة وشرف الضمير، وأشرف بك على مصارع الأغنياء فرأيت كيف يخفق قلب أحدهم وهو يحسبه كرة الأرض زلزلت زلزالها، وكيف تطرف عينه وهو يتوهمها اللجة التي تبتلع كل ما في رأسه من الأحلام، وكيف يموت وهو يرى كل ما كان في يده كالظل على الماء لا يذوب ماء ولا يبقى ظلٍّا، ويرى أنه كان يشتري المال الذي لا حد له بالعمر المحدود، فلما أفلس من هذا خسر الاثنين جميعًا.