الصفحة 41 من 128

أفتحزن أيها الفقير على أنك تشتري بعمرك هناء القلب وعافية الجسم ومحبة الناس وثواب لله وابتسامة الموت؟ لا تتعجل القدر ولا تختط لله خطة المستقبل ولا تغذ النسيان بأفكارك حين تفكر في البعيد، فإنك في حاجة إليها؛ واعلم أن الآلة التي تدير هذا العالم إنما تدار من فوق حيث لا تصل إليها اليد التي تحاول أن توقفها أو تبطئ من حركتها أو تزيد فيها، يد المجنون الذي يصيد النجوم بالشبكة حين تنبعث أخيلتها في الماء الصافي ... وكن إنسانًا لا أكثر، فإنك تحاول أن تصير إلهًا فتصير شيطانًا، وأجعل من فقرك ومصائبك وأحزانك سمادًا لهذه الزهرة الناضرة، زهرة الروح الحية، فإنها تغتذي بكل ذلك وتحيله إلى نضرة

وجمال وعطر يتأرج؛ وأضيء نفسك، فإن حولك ضياء يغمرك من لدن تفتح عينيك إلى أن تنام؛ ولا تكن كالسفعة في وجه الشمس، ولا كالغبار في النسمات، ولا كالريح الخبيثة في أريج الأزهار، وإن عرض لك شر أو طمع أو شيطان فاجعل السماء بينك وبينه فإن في باطنك قطعة منها، وترفق بصبرك لا تجهده، وبدمعك لا تفنه، فإنهما الزاد والماء لمن يقطع هذه المفازة المهلكة من الدنيا سالمًا ولا يريد أن يأكل من جيفها أو يكون فيها جيفة تؤكل، ولا تُراءِ الناس في شيء فإنك تفقد نفسك بينهم ولا تحصل عليهم إلا ظلالًا وخيالات؛ ولعمري ماذا ينفعك أن تمشي وراء الملك لتقيس خطواته؟

إني لأرى قومًا يعفون لحاهم ليجعلوا سبالها الطويلة حبالًا تتعلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت