الفرق بعيد بين أن تكون القوة آتية للقلب من العقل، وبين أن تكون آتية للعقل من القلب، فإن تسلُّط أحدهما على الآخر يُضعف أكثر خواصه، فالعقل موضع الخطأ والصواب؛ لأنه آلتهما جميعًا، وأظهر خواصه الشك؛ لأنه الخاصية التي يمكن في العقل أن توفق بين الخطأ والصواب قبل أن يتزايل إثناهما فيتباينا؛ وهذه الصناعة العقلية كثيرًا ما يُقتَضى لها إيجادُ المعضلات التي لا تحل كي تُلقي للعقل شغلًا طويلًا ثم يحكم عليها آخر الأمر حكمًا منطقيٍّا أنها لا تحل ... وكثيرًا ما تطلب البرهان على شيء ما فإذا أصابته
(أي: البرهان) جعلته شيئًا آخر وطلبت عليه برهانًا ... وهلم جرٍّا حتى يُقْطَع بها فتصل إلى ما لا برهان عليه.
والخطيئة إنما تكون في العقل بديٍّا، فتخلَق فكرًا، ثم تنحدر مع القوة إلى القلب كأنها قوة له، ثم تقع وتتمثل وفيها سخط القلب ورضى العقل غالبًا أو رضاهما معًا في القليل النادر؛ وهذا السخط القلبي هو الذي يترك في الرأس أثرًا من ذكراها، وهو الذي يسميه بعض الناس ندمًا، ويسميه بعضهم صوت الضمير.
ذلك أمر العقل، أما القلب فهو موضع الحقيقة السماوية التي تظهر بين الناس في هيئاتها فيسمونها المحبة، وبين الملائكة فيسمونها الإنسانية، وعند لله فيسميها الإيمان، وما كان في القلب غير ذلك فهو من تسلط العقل واستبداده.