وأنت لا ترى أسعد الناس وأهنأهم بسعادته إلا ذلك الذي يُجمع قلبه وعقله أن لا يَصدر أحدهما عن الآخر إلا راضيًا مرضيٍّا فترى في آثار عقله طهارة القلب وإيمانه، وفي
آثار قلبه إجادة العقل وإحسانه: ولو كُشف ذلك عن بواطن الأنبياء لتجلَّت لعينيك هذه الحقيقة ماثلة.
فمن تُرى هذا الملحد الذي يَحدس لك بعقله وكأنما يحرك يده بعينيك في شبر من الماء، ويحاول أن يوهمك أنه هزَّ السماء وأنت ترى خيال السماء؟ ليخلق الناس إن استطاع بلا قلوب، فإنه سيجدهم لا محالة بلا إيمان؛ وإلا فليتركهم فإن في العالم غير صناعة العقل أشياء كثيرة، واليوم الذي يكون فيه كل الناس عقلاء في الرأي يكون كل الناس مجانين في الحقيقة.
ليس الفرق النظري بين المؤمن والملحد إلا في تسمية جهل العقل بما وراء الطبيعة، وكل ما تشعب من ذلك فإنما هو براهين علمية. على صحة تسمية هذا الجهل ...
أيها الملحدون: أنا لا أستطيع أن أتعزى بالعقل؛ لأنه هو الذي يجعل النازلة لا تقبل العزاء؛ بل المصيبة لا تكون مصيبة إلا حين تكون عقلية، فمتى وقعت مرت كأنها حادثة مألوفة تجيء بالنسيان أو يذهب بها النسيان.