في بيت السعداء: تأتي به السعادة مرة ويأتي هو بها في كل مرة، وتلك النظرة إنما هي نبوغ في بعض العيون كما أن العقول نبوغًا بيد أن الطبيعة لا نظفر بها إلا في الندرة كما يظفر الزمن بجبابرة العقول الذين ينصبهم حدودًا للتاريخ الإنساني، فربما غَبَرت الأجيال المتطاولة مجنونة بهذا العارض الزمني حتى تصيب لها عقلًا من عقول التاريخ، وربما عبرت الطبيعة أجيالًا متطاولة وهي تشكو عمى الناس عن جمالها حتى تأنس في أحدهم عينًا من عيون الجمال.
ولقد يحسب الأجلاف من غلاظ الأكباد أن الطبيعة مبتذلة ويجدون لها غِلظة في أنفسهم كأنهم ينظرون إليها من أكبادهم، وكأن ضلالهم ليست كل شيء فيها فحيثما انكفأوا لا يرون إلا طيفًا من الموت تنْفِر في وجهه ظنون الفزع، وإذا لفتَّهم إلى الجمال الرائع لفَتوك منه إلى قبح يعرفونه ولا تعرفه، لأنك تعتبر شكل الصفة الجميلة وهم يعتبرون شكل المادة، كأنهم يريدون أن ينشقوا ريح الزهرة من طينها، وكأن الأشياء الجميلة عندهم ألفاظ من لغو الكلام تتألف من الحروف التي تدل بتركيبها على المعاني ولكن لا معنى لحروفها تلك؛ إذ هي مؤلفة على نسق غير الذي يعهدونه من نسق الصناعة المادية، فيا ويح هؤلاء وأولى لهم ثم أولى! أيريدون أن يستعين لله بقوم من أهل الحرف والصناعات على إصلاح ما خلق وتنبسق ما ابتدع ليجدوا فيه الجمال الذي يصلح لأوهامهم، ويكافئ بمعانيه مقادير أفهامهم؟