الصفحة 75 من 128

في وقت مجهول - إنما هي مصادفات في وهم ذلك الإنسان لا يريد أن يرتقب من الغيب حقيقة محزنة كما ينظر منه النعمة السابغة، وهي في ذاتها حقائق ثابتة تجري سواء على سَنن مُطرد؛ ولما كان الإنسان لا يرجوها إلا خائفًا ويخاف منها إلا رجيٍّا فهو بطبيعته يصبغها صبغة من الحزن ما دامت في غيبها حتى تقع؛ فلا يجعل هذا الإنسان وهمه قاعدة للحقيقة، ولا يُرَيَن أن حقائق الجمال الطبيعي مما يكون طباقًا لأوهام كل نفس؛ فإن ذلك تغيير للنفس لا للطبيعة.

وعندي أنه لا فرق بين الملحد الكفور الذي لا يحب حقيقة الموت إلا موت الحقيقة فيظل في قياس وهمه عائشًا ما عاش كأنه بدن ميت لا نفس فيه، وبين ذلك الجلف الذي لا يدرك أسرار الجمال الطبيعي فتظل هذه الطبيعة في قياس وهمه بالغة ما بلغت من الحسن كأنها دينار زائف جديد يُعجب من رونقه ويُعجب من كساده ...

الخادم يفزع من غضب سيده إذا صاح به الصيحة فيستطار لها، ولكن المطمئن المفكر إذا دارت في مسمعه هذه الصيحة أصغى منها لنغمة موسيقية تلبس معنى نفسيٍّا خاصٍّا لا جمال له إلا في الغضب؛ فاطمئن أيها الإنسان قبل أن تستطلع جمال الطبيعة وتأملها بالعين التي لم تستحِل من فكرك المادي إلى ذاكرة فليس فيها إلا النظر البحت تصبه النفس من شعاعها؛ فإنك حينئذ تشهد الطبيعة كلها في نفسك على النحو الذي يريك هذه السماء كلها في النهر الصافي، وتحسُّ من السرور والابتهاج والعظمة كأن هذا الفكر الإلهي الكبير الذي نسميه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت