أترى الطبيعة باكية وهي تلك التي ترسل بعض ضحكها دموعًا تتندى بها أجفان العيون النجلاء التي تجعل الرجال العظام صغارًا وهي عيون النساء والأطفال، لتبقى الطبيعة وحدها منفردة بالعظمة الرائعة التي لا يُداخلها الغرور بها ولا تداخل الضحك منها؟
إني أرى الذين لا يعرفون جمال الطبيعة ولا يفقهون حديثها يتخيلونها أبدًا باكية؛ لأنهم من لواعج الهموم بحيث صارت الدموع أسرع إلى أعينهم من الابتسام إلى أفواههم؛ وقد أبوا على العيون إلا أن تمتزج فيها الروح بالمادة فجعلوا أكثر عملها البكاء، إما بالدمع الذليل وإما باللحظ المستكين الذي يكاد يدمع من ذِلته، أما الأفواه فحسبها من صناعة العيش في أكثر من تراهم في الأرض مضغُ الطعام ومضغ الكلام، فهي قليلًا ما تبتسم وكثيرًا ما يكون الابتسام فيها شنعة فلا ترى إلا أفواهها قد جَلِعت [1] كأن القلب يتهيأ ليتفل منها على وجوه أولئك الأصدقاء الذين يدَّعون الصداقة بوجوههم الكاذبة!
وقد أحسب في أصل البكاء أن روح الإنسان لا تزال تتأذى أحيانًا مما يطيف بها من أدران المادة حتى إذا أرادت أن تُنحِّي ذلك عنها اغتسلت في باطنه بنور ينبجس لها من القلب ثم ينحدر عنها إلى العين فلا يخالط الجفنَ حتى تبتدر إليه الدموع فترسله وكأنه لما فيه من الحياة عاطفة قلبية أسرف عليها الهم في ضغطه فذابت؛ وقد يستطير
(1) ـ جلع الفم: إذ صار بحيث لا تنضم شفتاه على الأسنان.