أهل الخير لا يعرفون حزنك - إن عرفوه - حتى تبكي بالعين الثَّرة، وحتى تتوسل إليهم بالطرف المغْرَورق؛ كالطبيب لا يعرف مرضك في صحتك ولكنه يبلو مرضك فيعرف كيف كنت وكيف تكون.
وقد قيل لفيلسوف أملق حتى ساء عليه أثر الفقر: من يدفنك إذا مت؟ فقال: من يؤذيه نتن جيفتي! ... وكذلك لا يدفن دموعك إلا من يؤذيه منظرها من أهل النفوس الرقيقة، فإنهم لا يحتملون أن يروا من عينك جيفة هم تسيل بها وتَنزَى ... وإذا أصبتَ في الناس لم يتسبب لإرسال دمعة من عين إنسان أصبت فيه من يهتاجه منظر الدمعة في عين الإنسان.
إن الأطفال يحبون فِطرة أن يعبثوا بالماء ويتغامسوا فيه؛ فلا أنكر على الرجال محبتهم أن يعبثوا بالدموع؛ ولكني أستنكر الإنسان يجعل قلبه شاطئًا لأرجلهم إذ يخوضون فيه خوفًا، ولا يجعله لجة تجيش على أعماق من نفسه وعواطفه فلا ينطوي لها شيء إلا طوته ولا يدافعها شيء إلا دفعته؛ ولست أصدق الضعفاء الذين يزعمون أن أحدًا من الناس لا يطيق أن يجعل الصبر على ما يُبتلى به من مجاهدة نفسه عنصرًا من عناصر الحياة، فإني لأرمي بعيني ولا أرى أحدًا إلا وجدته يتحمل أكثر الناس لضرورات الحياة الجسيمة، ولو هو رغب في الحياة النفسية لقضت عليه ضرورتها أن يحمل من نفسه ولو كارهًا بعض ما يحمله من الناس كارهًا أو راضيًا، والمرء حين يضل زمام النفس