الصفحة 84 من 128

من يده إنما يُضل طريقه الذي اختطه في الحياة، وتعتسف به النفس طرق الآخرين فلا يزال فيها تابعًا أو مطرودًا، وهما خُطتا نُكر خيرهما وشرهما على الحر سواسية. وليت شعري ما هي الهموم؟ إن الإنسان يفسر هذه الكلمة المفردة بمجموع ما حفظ من تاريخ مصائبه، ويرى أنه لم يفرغ من الشرع بعد ولم يكشف عن دقائق المعنى، وإنما أجمل من وصفه ما وسعه، فكأنه يفسر حقيقة الحياة التي تستنفذ الكلام كله ويكون بين خطأ صراح وصواب

ممزوج، ثم تبقى الكلمة الصحيحة عند لله لا يكشف عنها للإنسان لئلا يغشاه من سر الألوهية فينتهك حجاب قلبه [1] .

واهًا أيتها الحقيقة الإنسانية أين أنت من الإنسان وأين هو منك؟ وما بال هذه الأوهام التي يعتزم لها الإنسان المضِيَّ في فضائها كأنه منطلق، ثم لا يكون أمره وأمرها إلا كالفأرة حين يرسلها الهر الخبيث تحت أشعة عينيه المتعسرتين من الجوع، فتنطق المسكينة في فضاء ... ولكنه محاط من كل جهة بالأظافر الحادة.

أيتها الحقيقة لا يظفر بك إلا سعداء الفطرة، وما الطبيعة كلها إلا إيمان بك ودليل عليك. فلو خلص الإنسان من وهمه لخلص من همِّه ولعرف كيف يقدِّر الحزن بسببه الحقيقي لا بالآمال المتوهمة التي

(1) ـ كناية عن الموت فجأة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت