الصفحة 85 من 128

زالت بوقوعه؛ فإن تقدير المصيبة بالأمل الذي كان يُرجى لو لم تقع أمر لا يحتمل حدٍّا، بل لا يزال يتسع من ظن إلى ظن حتى يهيج السخط في نفس الحزين، والسخط مع المصيبة مصيبة ثانية.

ولو كان المقامر يحزن على مقدار ما أضاعه دون المقادير الوافرة التي قامر عليها وكان يرجو أن يفوز بها، لما عاد امرؤ قط إلى المقامرة بعد الخسارة الأولى، وكذلك لو كان الإنسان يهتم للمصيبة على قدرها في نفسها لا بمقدارها في نفسه، لذهب بها وقتها، لأن الوقت يسير بكل شيء تدفعه فيه، ولكانت هذه المصائب في تاريخ الإنسان كأنها عُطاس يزعج قليلًا ثم يعقِب انتهاضًا من عثرة الرأس وراحة.

وما إن يزال الوهم يخيل للإنسان أن الوقت ثابت بالمصيبة التي نزلت به كأنها تغتذي من عمره. وكأن الصبر يعاف أن يغتذي من عمرها، فلا تبرح تمارسه وتشاده وتجدُّ به وتتلعَّب كأنما طرح عنقه منها في غُل يملك رقبته بالأسر الذي لا فِكاك له، وبذا يجمع المسكين على نفسه الحقيقة التي تحاول تركه فلا تستطيع، والأوهامَ التي يحاول تركها فلا يطيق. ولو ثبت الوقت بشيء هذا الثبات لهلك سعداء الناس قبل الأشقياء، لأن الراحة التي لا يَمُد في حبلها الألم كالألم الذي لا تمد في حبله الراحة [1] وما الآلام إلا رياضة نفسية تشتد بها النفوس

(1) ـ يريد الراحة الطويلة التي لا يدمع فيها الألم فكأنها راحة إلى غير هدى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت