الصفحة 86 من 128

وتصلب فلا تهدُّها أثقال الحياة التي لا يضطلع بها إلا ذو المرة السَّوي [1] .

ولولا هذه الآلام لأقفرت الأرض؛ لأن الإنسان الذي لا يتألم ليس إنسانًا أرضيٍّا، بل ينبغي له أن ترفعه الملائكة وتلوِي به في جو السماء، ثم تكون مدة عمره في الأرض مَسيرة ما بين الدنيا والآخرة على أجنحة الملائكة ... ويُخلق ويموت كما تخلق ذُبابة آذار الخيالية التي يزعم الشعراء أنها تولد إلى مَتَع الضحى فلا تزال تطن في الروض وهي لا تجد مد صوتها [2] إلا أزهارًا وألوانًا وأريجًا ونسيمًا، وتحمل وتضع وهي لا تنفك تتنفس ألحانًا، ثم تطلع عليها شمس الغد بالموت كما طلعت في الأمس بالحياة، ولا يمتد الضحى حتى تتخذ من بعض الأزهار كفنًا وتموت وهي تتغنى، ثم تلوح في شعاع الشمس كأنها نقطة سوداء قطرت من مداد الموت على صفحة من ورق الأزهار لكي تدَّكر بها روح الربيع أي ليس في الأرض خلود!

ولا يحسبن الإنسان أنه المستبد بالأرضي قوم عليها بنظامه ويبرأ منها، فإن الأرض تقوم عليه من قبل بنظامها. بل هو نفسه معنًى من هذا النظام الذي لا تَرَخُّصَ فيه وإنما يمضي على الإنسان وغير الإنسان بعزيمة واحدة وفيه الألم والراحة جميعًا.

(1) ـ القوي الصحيح الأعضاء.

(2) ـ أي لا تجد فيما تصادفه إلى منتهى ما يبلغه صوتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت