الصفحة 87 من 128

ومهما نَعِم المرء فلن يبلغ مبلغ الزهرة النضرة العطرة التي تجتمع أوراقها وتتماسك مدةً بقوة الحياة العطرية ثم تُبلِم بها نسمة تستميت في تَخافُتها وتجيئها وهي من الضعف كأنها صدى قبلة الحسناء المذعورة، فتنثر أوراقها وتهدم هذه البنية الملونة كما تنهدم لذات الحلم بالحركة الضعيفة من جفن النائم ساعة يستفيق!

والحياة الأرضية في طبيعتها غليظة جافية مستحكمة لو ترك لها الإنسان كما هي؛ لأنشأته خلقًا أرضيٍّا بحتًا، ولكن لله جعل فيها مواضع رقيقة تشف عن السماء وما وراءها إلى مصدر القوة الأزلي وهذه المواضع هي الآلام، فهي التي يرفع منها الإنسان يده إلى السماء بضراعة إنسانية متبرئًا من قوته مقرٍّا بضعفه، وهي كذلك التي يرسل منها

الإنسان نظرة إلى الأرض برحمة سماوية تنفذ إلى قلبه بالمعاني الجمة من شقاء الناس وبأساء الحياة؛ فلا يستروح هذا الإنسان من ألمه إلا وقد أكسبه الألم فضل الإنسانية وبر الفضيلة وصحة الإيمان وقوة النفس، وإن مرض يوم واحد تتوجه فيه النفس إلى لله وتعرف كيف تتنزه عن دنايا الأرض وشهواتها، لهو أجدى لها وأرد عليها بفضيلة الإنسانية من قطع دهر في دراسة كل ممتع من كتب الفلسفة.

وبئس - لعمر لله - الرجل يكون في ضرعته وما فيه إلا نفَس لا تدري أيهما أضعف: أهذا النفَس الذي يتعثر في صدره، أم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت