ذلك الجسم الذي يتنغَّش كفراخ الطير؟ [1] ثم تراه متى أحس القوة وقد ثار كما يثور الوحش من ضجعته، وكان في ألمه أشد حَنقًا، وكلما تمادى به الألم سخط واستحق كما يكون العاجز الموتور الذي يأكل انتقامه من
نفسه ولا يزال يَشره إليها ما بقي الرجل عاجزًا، فهذا وأمثاله ممن تشف لهم السماء موعظة واعتبارًا وهم يَتبخَّصون [2] لها تعجبًا وإنكارًا، وإنما يسخطون على ربهم سخطًا لا يشبه شيء إلا ما يكون من حنق الصبيان إذا فُضِّل أحدهم عليهم فانقلبوا ساخطين على الأفضل ومن فضله جميعًا، يرون سخطهم كأنه تفضيل لأنفسهم ... وهو إن لم يكن توقحًا ونذالة فليس بدونهما.
وهذه الطائفة من الملحدين ومَن لا يلحد ولكنه يؤمن بلا إيمان ... وإنما هم أنفسهم بعض آلام الإنسانية، فليس بِدعًا أن يكون في آلامهم ما يقتدح هذه الحقيقة النارية فيهم، وإلا فكيف يؤلمون الإنسانية إذن؟ على أن أكثر الناس لا يدركون هذه الحقيقة فيصبون عليهم من النسيان ما يصب الغاسل على الميت من الماء ليرسل معه بقية طهارته إلى
(1) ـ أي لا يتحرك إلا حركة ضعيفة، وذلك معنى التنغش.
(2) ـ البخص- بتحريك الخاء - لحم تحت الجفن الأسفل يظهر عند تحديق الناظر إذا أنكر شيئًا وبالغ في إنكاره، ولم نرَ كلمة أليق بما أردناه في هذا الموضع من هذه اللفظة الخشنة، لأنها تصوير وجوه كالحة بألوان مثلها كالحة