الآخرة، ولو هم أدركوها لرأوا في هذه الثورة الإنسانية مظهرًا عجيبًا من حكمة لله، ولرأوا أن كل شيء يتألم حتى الديانات والفضائل، فإنها تتألم بسخط هؤلاء وجحودهم.
وليست كل الهموم التي تصيب الإنسان مما يلوي بها القَدَر عليه؛ فإن من ذلك سيئات يجنيها الإنسان على نفسه بسوء الخوف من لله واتهام رحمته وقدرته، كالتوقع لما يقع، والحذر مما لا يوقن بوقوعه، ومعالجة المستقبل، والاهتمام للمستحيل أو لشبه المستحيل؛ ثم المصيبة الآكلة التي لا تبقي على النفس إلا أسوأ ما فيها؛ لأنها محاولة استخدام القضاء وتصريف القدر على غير ما يريده لله، وهي الحسد! فهذا وما أشبهه إنما هو من مصائب العقل الذي يحاول الملحدون تسميته إله الأرض فلا يكون قضاؤه على صاحبه إلا ما ترى.
واعتبر ذلك بأن هذه المصائب لا تكون على أشدها فجيعة وألمًا إلا في أقوى الناس عقلًا وأضعفهم إيمانًا، مع أن المؤمن الساذج الذي يكاد يُعد في رأي العقلاء ... حيوانًا يبيع نفسه ويشتري لها مشتريًا - لا يعتريه شيء منها بل هو في أمن من جميعها، وكأن حوله من قلبه سورًا مضروبًا على الحياة باطنه فيه الرحمة وإن كان ظاهره من قِبله العذاب؛ وهذا المؤمن يعرف بفطرته السليمة تلك الحقيقة الناصعة التي يجهلها أكبر الفلاسفة من الملحدين ويجهلها أكثر العقلاء فلا تكون كل المصائب الإنسانية التي يُنافح بها القوم بعضهم بعضًا إلا عقابًا عقليٍّا