الصفحة 91 من 128

والإنسان لم يكن يومًا منسيٍّا من لله ولكنه لا يزال ينتبذ المكان القِصي من الظن كأنه يريد أن يكون منسيٍّا منه؛ فهو يشك في رحمة لله وعنايته كلما راثَ عليه الخير [1] إن عرف أن له رحمة وعناية، وهو يجادل فيهما ويستريب بهما وبالله في ذاته إن لوى رأسه وركِب أثر هواه ضالٍّا أو مضِلٍّا؛ وما يجديك أيها الأحمق أن تهبط بعض الأودية وتأخذ في الصياح لتستخرج الصَّدى كأنك أنطقت الجماد ... وإنما هو صوتك رجع إليك لم تزِد فيه السماء ولم تنقص منه الأرض؛ فمهما جادلت في لله فإنك لا تعدو هذا العبث بنفسك ولو أنكرت فأنكر الصَّدى ورميت بالحجة فرمى بها وجئت بالأقاويل فتابعك عليها - لم يكن لك من ذلك كله ظهير ولا نصير على الحقيقة إلا كما يكون للمرور يحدِّث نفسه ويحب أن له حَلْقين ...

ويح هؤلاء الناس! ألا يرون المصائب والآلام ترسل دفاقًا على الأرض كماء المطر وهي مع ذلك لا تصيب من تصيبه إلا قطرة فقطرة كأنه مكتنف من رحمة لله بفضاء واسع يجعله كهذه الطيور التي تُرسل عليها السماء من أقطارها وهي مع ذلك تلبث طافية على الهواء كأنها الأمواج التي يجيش بها البحر أبدًا ولا تغرق، ولو هي كانت في الأرض لأغرقتها بصقة من إناء مترع؛ أوليس في ذلك ما يردف الإنسان شغلًا بنفسه الضعيفة مما يذهب إليه في إلحاده وريبته إذ ينتحل شيئًا من الألوهية لينكر الألوهية أو ليشك فيها؟

(1) ـ الريث: الإبطاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت