وهيهات يجادل امرؤ في لله أو يستريب به أو يتصَّفح على أعماله إلا إذا كان يقيس من أمر ذلك ما في نفسه كأن في نفسه مقياس الألوهية، وإلا فهو الغبي الذي لا يسقُط على عقله ولو استمر يبحث عنه في الكتب حتى يُرمى في جنازته [1] .
أَوَلا يستشعر الإنسان مما تُزلزله مصائبه وآلامه وأن روحه تتخطى مقرها في باطنه فكأنه يتزلزل بخطواتها، وقد يراها فصلت عنه حين تنتزي به الآلام المبرحة إذا انتهض من صرعته ونشط لما ينشط له الأصحاء رأى كأنه مُقبل على الدنيا من حدود الآخرة! وإذا كانت النفس خرساء لا تفهم إلا بالحركة والإشارة فما أرى هذه الحركة منها في
الإنسان بين المرض والصحة إلا كحركة نقض الدليل الفاسد بالدليل الصحيح في العقل، فإذا هو سفه بعد ذلك نفسه وسَفه الحق منها وحاول أن يرتبطها من إنكاره وحجوده ومكابرته وعنته بالسلسلة الربوض [2] فإنه ينقلب ما يشاء ملحدًا أو فاسقًا أو شيطانًا وتبقى نفسه كما هي على طبيعتها الإلهية؛ لأن الدين النفسي ليس ما يزعمه العالم في مجادلته، ولا الجاهل في محاولته، ولا المؤمن في إقراره وتصلُّبه، ولا الجاحد في إنكاره وتعجبه. وإنما هو قلب الإنسان
(1) ـ كأنه أضل عقله فلا يعثر عليه. ويقال: رُمي في جنازته، أي مات، لأنه يحمل ويوضع، فذلك هو الرمي فيها.
(2) ـ أي التي تربض بصاحبها فلا يستطيع فيها الحركة لضخامتها وثقلها ولزوقها به.