فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 17913 من 56889

جهة العرش منزها ربه تعالى عن الحصر مفردا له كما أفرده في قدمه وأزليته عالما أن هذه الجهات من حدودنا ولوازمنا ولا يمكننا الإشارة إلى ربنا في قدمه وأزليته إلا بها لأنا محدثون والمحدث لا بد له في إشارته إلى جهة فتقع تلك الإشارة إلى ربه كما يليق بعظمته لا كما بتوهمه هو من نفسه ويعتقد أنه في علوه قريب من خلقه هو معهم بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته وقدرته ومشيئته وذاته فوق الأشياء فوق العرش ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة أو التوجه أشرق قلبه واستنار وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان وغشيت أشعة العظمة على عقله وروحه ونفسه فانشرح لذلك صدره وقوى إيمانه ونزه ربه عن صفات خلقه من الحصر والحلول وذاق حينئذ شيئا من أذواق السابقين المقربين بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده وتكون الجارية راعية الغنم أعلم بالله منه فإنها قالت في السماء عرفته بأنه على السماء فإن في تأتي بمعنى على قوله تعالى يتيهون في الأرض أي على الأرض وقوله ولأصلبنكم في جذوع النخل أي على جذوع النخل فمن تكون الراعية أعلم بالله منه لكونه لا يعرف وجهة معبوده فإنه لا يزال مظلم القلب لا يستنير بأنوار المعرفة والإيمان ومن أنكر هذا القول فليؤمن به وليجرب ولينظر إلى مولاه من فوق عرشه بقلبه مبصرا من وجه أعمى من وجه كما سبق مبصرا من جهة الإثبات والوجود والتحقيق أعمى من جهة التحديد والحصر والتكييف فإنه إذا عمل ذلك وجد ثمرته إن شاء الله تعالى ووجد نوره وبركته عاجلا وآجلا ولا ينبئك مثل خبير والله سبحانه الموفق والمعين

فصل

في تقريب مسألة الفوقية من الأفهام بمعنى من علم الهيئة لمن عرفه لا ريب أن أهل هذا العلم حكموا بما اقتضته الهندسة وحكمها صحيح لأنه ببرهان لا يكابر الحس فيه بأن الأرض في جوف العالم العلوي وأن كرة الأرض في وسط السماء كبطيخة في جوف بطيخة والسماء محيطة بها من جميع جوانبها وأن سقل العالم هو جوف كرة الأرض وهو المركز ونحن نقول جوف الأرض السابعة وهم لا يذكرون السابعة لأن الله تعالى أخبرنا عن ذلك وهم لا يعرفون ذلك وهذه القاعدة عندهم هي ضرورية لا يكابر الحس فيها أن المركز هو جوف كرة الأرض وهو منتهى السفل والتحت وما دونه لا يسمى تحتا بل لا يكون تحتا ويكون فوقا بحيث لو فرضنا خرق المركز وهو سفل العالم إلى تلك الجهة لكان الخرق إلى جهة فوق ولو نفذ الخرق إلى السماء من تلك الجهة الأخرى لصعد إلى جهة فوق

وبرهان ذلك أنا لو فرضنا مسافرا سافر على كرة الأرض من جهة المشرق إلى جهة المغرب وامتد مسافر المشي على كرة الأرض إلى حيث ابتدأ بالسير وقطع الكرة مما يراه الناظر اسفل منه وهو في سفره هذا لم تبرح الأرض تحته والسماء فوقه فالسماء التي يشهدها الحس تحت الأرض هي فوق الأرض لا تحتها لأن السماء فوق الأرض بالذات فكيف كانت السماء كانت فوق الأرض من أي جهة فرضتها ومن أراد معرفة ذلك فليعلم أن كرة الأرض النصف الأعلى منها ثقله على المركز والنصف الأسفل منها ثقله على النصف الأعلى أيضا إلى جهة المركز والنصف الأسفل هو أيضا فوق النصف الأعلى كما أن النصف الأعلى فوق النصف الأسفل ولفظ الأسفل فيه مجاز بحسب ما يتخيل الناظر وكذلك كرة الماء محيطة بكرة الأرض إلا سدسها والعمران على ذلك السدس والماء فوق الأرض كيف كان وإن كنا نرى الأرض مدحية على الماء فإن الماء فوقها وكذلك كرة الهواء محيطة بكرة الماء وهي فوقها وإذا كان الأمر كذلك فالسماء التي تحت النصف الأسفل من كرة الأرض هي فوقه لا تحته لأن السماء على الأرض كيف كانت فعلوها على الأرض بالذات فقط لا تكون تحت الأرض بوجه من الوجوه وإذا كان هذا الجسم وهو السماء علوها على الأرض بالذات فكيف من ليس كمثله شيء وعلوه على كل شيء بالذات كما قال تعالى سبح اسم ربك الأعلى وقد تكرر في القرآن المجيد ذكر الفوقية يخافون ربهم من فوقهم إليه يصعد الكلم الطيب وهو القاهر فوق عباده لأن فوقيته سبحانه وعلوه على كل شيء ذاتي له فهو العلي بالذات والعلو صفته اللائقة به كما أن السفول والرسوب والانحطاط ذاتي للأكوان عن رتبة ربوبيته وعظمته وعلوه والعلو والسفول حد بين الخالق والمخلوق يتميز به عنه هو سبحانه علي بالذات وهو كما كان قبل خلق الأكوان وما سواه مستقل عنه بالذات وهو سبحانه العلي على عرشه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج الأمر إليه فيحيي هذا ويميت هذا ويمرض هذا ويشفي هذا ويعز هذا ويذل هذا وهو الحي القيوم القائم بنفسه وكل شيء قائم به فرحم الله عبدا وصلت إليه هذه الرسالة ولم يعاجها بالإنكار وافتقر إلى ربه في كشف الحق آناء الليل والنهار وتأمل النصوص في الصفات وفكر بعقله في نزولها وفي المعنى الذي نزلت له وما الذي أريد بعلمها من المخلوقات ومن فتح الله قلبه عرف أنه ليس المراد إلا معرفة الرب تعالى بها والتوجه إليه منها وإثباتها له بحقائقها وأعيانها كما يليق بجلاله وعظمته بلا تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل ولا جمود ولا وقوف وفي ذلك بلاغ لمن تدبر وكفاية لمن استبصر إن شاء الله تعالى والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وسلم والله سبحانه أعلم

تمت الرسالة

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت