إن الذي ينبغي، بل يجب على كل مسلم معرفته والتنبيه إليه هو أن يعلم علمًا يقينيًا أن كل أمر يتعلق بالتوحيد بأقسامه الثلاث (الربوبية، الألوهية، والأسماء والصفات) ، إنما هو أمر عقائدي، ليس من الفروع بل من الأصول التي بعث بها الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وباستقراء آيات الكتاب، نجد أن الأنبياء إنما كانت دعوتهم منصبة على ثلاث أصول هي: (الألوهية- الربوبية- الأسماء والصفات) .
فهذه هي أصول الدين، والتي يبنى عليها بقية الدين من الأحكام الشرعية العملية.
فكيف نجعل أمرًا كقضية الأسماء والصفات من الفروع، ونقول لا بأس بترك هذا الأمر وعدم الخوض فيه وترك بيانه حتى لا تتفرق الأمة؟! إن هذا لشيء عجاب.
ووالله لئن كان توحيد الله في أسماءه وصفاته من الفروع فلقد ضاع الدين وبدأ تفرق الأمة، ووقع ما أخبر به الرسول http://www.binatiih.com/go/images/smiles/salla.gif في الحديث الصحيح عندما قال:"فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا". الحديث.
ولا يفهم من قولي المتقدم أن الدين ليس فيه فروع يجوز الخلاف فيها، بل هذه أقوال الصحابة -رضي الله عنهم- وخلافاتهم في الفروع أكثر من أن تحصر، وهي موجودة في كتب أهل العلم وخاصة كتب الفقه.
وهذه أقوال التابعين وتابعي التابعين وخلافاتهم في الفروع وهي مدونة في كتب الفقه وهي أكثر من خلافات الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-.
إذن فالدين فيه فروع يجوز الخلاف فيها، ولكن المشكلة كل المشكلة في أن نجعل الفرع أصلًا أو الأصل فرعًا.
ولقد وقعت خلافات الصحابة في الأمور الفرعية في عهد النبي http://www.binatiih.com/go/images/smiles/salla.gif بل بين يدي النبي http://www.binatiih.com/go/images/smiles/salla.gif وذلك حين أرسل أصحابه إلى بني قريظة وقال لهم:"لا يُصَلِّيَنَّ أحد العصر إلا في بني قريظة"فاجتهد الصحابة -رضي الله عنهم- في فهم هذا النص فمنهم من رأى أن النبي http://www.binatiih.com/go/images/smiles/salla.gif إنما قصد منهم الإسراع فقط ولم يقصد منه تأخير الصلاة عن وقتها، ومنهم من فهم قصد النبي http://www.binatiih.com/go/images/smiles/salla.gif أن تُؤخّر العصرُ حتى يصلوا في بني قريظة، واختلفوا إلى مجموعتين فمنهم من صلاها في وقتها، ومنهم من أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة ومع ذلك لم ينكر النبي http://www.binatiih.com/go/images/smiles/salla.gif على أي من الطائفتين فدل ذلك على جواز الخلاف في فهم النصوص الشرعية، ما لم تكن النصوص صريحة الدلالة، وأنه يجوز الخلاف في المسائل الفرعية والخلاف فيها فيه سعة.
ولكن أن نلحق الأصول بالفروع فهذا لا يجوز أبدًا، فكيف نقول مثلا إن مسألة مثل مسألة الأسماء والصفات أمر فيه سعة، فمن شاء أثبت لله صفة الغضب ومن شاء تأول الغضب بالعذاب، إن هذا الشيء عجاب، فنكون جمعنا بين النقيضين وهذا مما لا يليق بالمخلوق فكيف بالخالق، فنقول مثلًا من شاء أثبت لله الغضب ومن شاء نفى ذلك عن الله -تبارك وتعالى-.
لا أعتقد أن أحدًا من المسلمين قد يقول ذلك صراحة، ولكن للأسف فإن مثل هذه المقولة، وهي أنه لا داعي للمسائل العقائدية بحجة أن التكلم بمثل تلك الأمور يفرق الأمة، أقول إن مثل هذه المقالة تؤدي إلى النتيجة السابقة، وإن لم يصرح صاحب تلك المقالة بهذا، ولكنه سيضطر إلى هذا إذا ما ووجه بمثل السؤال السابق الذكر.
كيف نقول أن المسائل التي تتعلق بتوحيد الألوهية، كالذبح مثلًا، أمر يجوز فيه الخلاف، أقصد الذبح بقصد القربة إلى الله كالأضحية مثلًا.
كيف نقول أن تعليق التمائم أمر فيه سعة ويجوز الخلاف فيه فهذا هو العجب العجاب.
أرجع فأقول: إذا أردنا أن نجمع الأمة، فيجب علينا أن نجمعها على الجمع الذي أراده الله - تبارك وتعالى- وأعطي مثالًا لذلك.
أنه لو قام أحد من المسلمين للصلاة بغير وضوء لبادرنا كلنا بالإنكار عليه، إن كان واجدًا للماء، ولم يمنعه من استعماله مانع شرعي، فلو قال لنا كيف تنكرون علي والله أمرني في القرآن أن أقيم الصلاة، فما جوابنا عندئذ.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)