فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 6541 من 56889

وأنت ترى في الواقع مثلًا أن الطالب في الامتحان عندما يكون مستحضرًا بصر المراقب له هل سيغش؟ لن يفعل بل سيكون حريصًا على النظر في حال نفسه مراعيًا ما يؤمر به منتهيًا عما ينهى عنه, لذلك نقول هذا ترغيب وترهيب, ترغيب لتخلص لله وحده وترهيب من أن تخالف أمره أو أن تبتغي بصر غيره.

ثم ننتقل إلى أدب آخر من تلك الآداب التي تضمنتها هذه الآيات في قوله تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، وهو النهي عن الميل والركون إلى الظلمة.

وفترة الاستضعاف التي تمر بها الأمة فترة حرجة خطيرة فإن ثمة ضغوطًا شديدة تدفعك إلى أن تميل مع الباطل، وتركن إلى الظلمة، وتطمئن إليهم، وترضى بفعلهم، وتتمنى أن تكون مثلهم, وكم من أناس إنما صاروا مع الظلمة بالرضا بأفعالهم والمتابعة لهم والركون إليهم.

وكثير من الناس من يقول:"أنا أريد الحق ولكن ماذا أصنع؟ الناس يأمرونني بغير ذلك"، وكثير منهم من يضحي بدينه في سبيل أن يعيش -بزعمه- وهو في الحقيقة يموت .. يقولون نريد أن نعيش ونربي أبناءنا، ولذلك يتابعون على الظلم ويركنون إلى الذين ظلموا، ويأكلون السحت، ويشهدون الزور، ويربون أبناءهم على ذلك وبه، فيكونون سببًا لعذابهم لأنهم لم يربوهم على الإيمان والتوحيد, لم يربوهم على طاعة الله عز وجل ولو في مخالفة الناس ومفارقتهم إرضاءً لله؛ فإن من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أسخط الله برضى الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.

ولذلك فالركون إلى الذين ظلموا يكون بمتابعتهم على أي نحو فمن الناس من يتابعهم حتى لا يكون غريبًا بينهم، كالذي يتابع الناس على شرب الدخان مثلًا مع أن الدخان ليس شهيًا أو لذيذًا فإن من لا عادة له بشربه إذا اشتمه كرهه، ومع ذلك فالمبتلون به في ازدياد .. لماذا؟ يبدأ الأمر بالتقليد الأعمى حتى يكون الشاب مثل الرجل ومقارعًا له .. يريد الفتى أن يكون مثل الرجال فيفعل مثل فعلهم فيركن إليهم فيكون ظالمًا مثلهم فيصيبه من بلائهم ما لا يستطيع معه أن يمتنع منه، ومثل ذلك في الخمر والمخدرات وغيرها من الفواحش التي هي من أخبث الأشياء رائحة وطعمًا، ومع ذلك يدمنها كثير من الناس.

والعلة في مصاحبة أهل السوء ومتابعة الظالمين على ظلمهم حتى لا يكون المرء غريبًا فبدلًا من أن يأنس بصحبة الأتقياء ومتابعة الصالحين هوى هوى الأشقياء وتزيّا بزيّ الظالمين.

ومنهم من يتابع على الباطل وعلى الظلم لأنه يؤمر به؛ فإن حقيقة التبعية استعداد التبيع لمتابعة المتبوع على كل حال، قال تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) [الأحزاب:67،68] ، وقال: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة:166، 167] ، فذلك النصيب الوكس عاقبة الخزي بما ظلموا.

ولو أنك تأملت أنواع المخالفات المنافية للفطرة لما وجدت إلا الركون للذين ظلموا سببًا لها؛ ولذلك كان هذا من أعظم أسباب الانحراف وعدم الاستقامة.

ومن تلك الأنواع هذا التبرج الذي ينافي الفطرة الإنسانية وما فطر الله الناس عليه مما يدعو إليه الإسلام من التستر والحياء وحفظ العورات, وهذا أصل النوع الإنساني آدم وزوجه -عليهما السلام- ما إن بدت لهما سوءاتهما حتى طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، قال الله عز وجل: (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) [الأعراف: من الآية27] ، فالشيطان هو الذي يأمر بالعري، إذًا فطرة الإنسان السوية ليست في التعري وإنما في التستر؛ لذلك قال الله عز وجل عن آدم وزوجه: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت