ولكن لابد للطريق من معالم يصل بها القلب إلى الاستقامة وهذه المعالم هي العبادات الظاهرة التي شرعها الله عز وجل لتتحقق بها عبودية العبد، وأهمها الصلاة قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) وصلاة طرفي النهار: صلاة الصبح في الطرف الأول، وصلاة الظهر وصلاة العصر في الطرف الآخر؛ لأن ما بعد زوال الشمس يكون نصف النهار الآخر.
(وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) : المغرب والعشاء، وفيه إشارة إلى صلاة الليل أيضًا ولكن الأصل الواجب الصلوات الخمس.
ولابد من التقصير في سلوك الطريق، ولابد من تدارك هذا التقصير: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات) فالصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر كما قال صلى الله عليه وسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لو أن نهرًا غمرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات في اليوم والليلة أيبقي ذلك من درنه شيء؟"، قالوا: لا يا رسول الله لا يبقي ذلك من درنه شيء، قال:"فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا".
فإذا أقيمت الصلاة فعلًا بتمامها كفَّر الله بها من سيئات العبد، والعبد الذي يواظب على الصلاة في أوقاتها، وعلى خشوعها، وركوعها، وسجودها يغفر له، وترجح كفة حسناته، وتذهب الحسنات بالسيئات، وقد ورد في الصحيح (أن رجلًا نال من امرأة بالمدينة قبلة أو مسًًا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"أصبت حدًا فأقمه عليّ"، فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى صلى معه ثم قال له:"هل صليت معنا؟"، قال:"نعم"، فتلى عليه هذه الآية:(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) ، فقال:"ألي خاصة أم للناس عامة؟"، فقال:"بل للناس عامة")، فهي عامة لكل مؤمن فالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الإتيان بخشوعها الباطن والظاهر وأركانها وشروطها وواجباتها تذهب بها الخطايا وتكفر بها السيئات، فحسنات العبد في مقابلة سيئاته فكل حسنة تذهب سيئة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها) .
ولما كانت الصلوات الخمس ونوافلها في كل وقت لم تزل تتبع السيئات فتمحوها, فجنودك من الحسنات هي التي تقضي على عدوك من جنود السيئات.
ولكن لماذا نعجز عن الطاعات؟ لأننا فرطنا في الطاعات قبلها؛ فإن الحسنة دليل الحسنة, وأنت إذا أطعت الله عز وجل وفقك إلى طاعة أخرى وأذهب عنك السيئات.
وصاحب السيئات يعجز لأنه مثقل بالجراح تلك الجراح التي تؤذي القلب، وتشغله بالهوى عن الهدى، وبملاذ الشهوات عن نور الإيمان، فينأى وقد أخلد إلى الأرض واتبع هواه.
ولابد حتى تكف عن السيئات أن تنشغل بفعل الحسنات التي تذهب برجسها وتحفظك من شرها، ولا شيء أعظم من الصلوات المكتوبات وما يتلوها من النوافل المستحبات يمحو تلك السيئات الضخام ويذهب بالمخازي والآثام.
(ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) وهذا أعظم من تكفير السيئات كما قال الله عز وجل: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت: من الآية45] ، فذكر الله الذي في الصلاة أكبر من محوها للسيئات، فالصلاة فيها فائدتان عظيمتان:
الأولى: ذكر الله، وهو مادة حياة القلب وأصل هدايته وصلاحه، فذكر الله الذي يسبق العبد به إلى ربه.
الثانية: تكفير السيئات، وذكر الله أكبر من تكفير السيئات، ومن ذلك النهي عن الفحشاء والمنكر، وبالصلاة التامة تنال الفائدتين وتحصل المنفعتين، وهذا كله في الواجب, والمستحب زيادة في الخير.
فكثرة صلاتك بالليل مما يزيد نصيبك من تكفير السيئات لأن الحسنات لديك بفضل الله وهكذا تجد التوافق بين قوله تعالى: (ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) ، وقوله: (وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) في مثل هذه العبادة الجامعة، فالصلاة أعظم ذكر لله، وهي مع ذلك مكفرة للسيئات، وهذا هو غاية مراد التائبين.
ثم أمر الله بالصبر والإحسان فقال: (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أمر بالصبر حتى يحمل العبد نفسه على طاعة الله، ويمنعها عن معاصيه، ويتحمل ما يصيبه في سبيل الله عز وجل؛ فإن الطريق إليه سبحانه محفوف بالمكاره لابد لمن يسير عليه ويخالف الناس مِن أن يصاب بأنواع المحن والابتلاءات، وفي خيرة الخلق أسوة؛ فقد أوذوا واتهموا وجرح منهم من جرح وقتل منهم من قتل، وقد حكى رسول الله صلى الله عليه وسلم نبيًا من الأنبياء ضربه قومه حتى أدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول:"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كسروا رباعيته يوم أحد وشجوا وجهه فيقول:"كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله عز وجل؟"، فأنزل الله عز وجل: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) [آل عمران:128] ، وجاءه صلى الله عليه وسلم رجلٌ وهو يقسم قسمًا فقال:"إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله"، وقال له:"اتق الله يا محمد"، وقال له:"اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله"، فقال:"ويحك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟"، وقال:"ويحك فمن يعدل إن لم أعدل"، ثم قال صلى الله عليه وسلم:"رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)