لئلا تضعُف وتنحل وتسقط وينتشر ما اجتمع من أمرها. واستمرَّ هذا التدرُّج في الألسنة حتى وصَلتْ إلى حالةٍ من الاستقرار وفقًا لتدرُّج التمدُّن في الارتقاء والنموِّ إلى درجةٍ من الاستقرار والثَّبات.
هذا، وقد كُنت أودُّ أنْ أسيرَ بالقارئ في الجزيرة العربيَّة من أوَّل عُهود التاريخ التي وصلَتْنا إلى العهد الذي احتفَتْ فيه بنور إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - وما كان من أمر هذه الجزيرة بعدَ ذلك إلى أنِ استقرَّ اللسان العربي على حالةٍ بَيْنَ بَيْنَ في القرنين السابقين؛ لإشراق نُور النبوَّة فيها، وهبوط الوحي بالمعجزة الباقية أَبَدَ الدهر على محمد رسول الله وخاتم النبيِّين - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولكنِّي أُفضِّل الآن لهذه الكلمة الموجزة أنْ يكون بدءُ القول في أمر لغة العرب من العهد القَريب السابق لرسالة رسولنا - صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال التاريخ: إنَّ هذه الجزيرة العربيَّة - التي تحدُّها من الشرقِ بلادُ فارس، ومن الغرب بحرُ القلزم ومشارفُ الشام وأطرافُ مصر، ومن الشَّمال أرضُ الشام وفيها غسَّان والروم، ومن الجنوب بحرُ الهند - قال: كانت هذه الجزيرة منزلًا لقَبائلَ تفرَّقت في أوديتها وحُزونها وأباطحها وبَيْدائها، وكان جلُّ اعتِماد أهلها على الرحلة من مكانٍ إلى مكان في طلب الغَيْثِ وانتِجاع المرتع، والتصرُّف في وجوه التجارة ما بين جَوانبها وبين مصر والشام وبلاد الروم وأرض الحبش وديار فارس، وتصرَّمتْ على أمرها هذا الحِجَجَ الطوال، فكانت هذه القبائلُ تتكلَّم عِدَّةَ لهجاتٍ منها العربيَّة التي وصلتنا - والتي يُسمُّونها لغة قريش - ولا شَكَّ في أنَّ هذه القبائل - التي تسكُن جزيرة العرب وتعمرها - كانت تتلاقي بالجوار والترحال والتجارة، فكان الرجل من قبيلةٍ إذا نزَل بأرض قبيلةٍ أخرى لم يعسر عليه أنْ يكون بينهم كأحدهم منطقًا وإفهامًا وتفهُّمًا، وإلا لتَدابَرتْ هذه القبائل وتقطَّعت الصلة بينها، ولكان التاريخ قد قذَف بها جميعًا من سجلِّه، ولم يصلنا من شعرها ولا أخبارها ولا لهجاتها شيءٌ أبدًا، فهذا دليلٌ على أنَّ هذه اللهجات التي اتَّخذتها القبائل كانت قليلةَ التَّخالُف كثيرة التشابُه متدانية الأصول؛ فلذلك قام أمر العرب قبلَ الإسلام على الاجتماع في أسواقٍ ذكَرَها التاريخ ووصَلَنا شيءٌ لا بأسَ به من أخبارها، فكانت العرب تلتقي فيها للتجارة وإنشاد الشعر والتفاخُر والتحاكُم والتحالُف، وغير ذلك من شُؤونها ومَصالحها، وحدَّثَنا التاريخ أنَّ اللهجة التي كان