الصفحة 13 من 27

يرجعُ إليها العرب في أمر لسانهم هي لهجة قُريش التي نزَل بها الوحي على أمين الله في أرضِه والشاهدِ على الناس رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فكان ذلك مبدأَ اتِّفاق اللهجات المختلفة على أمرٍ جامع لا يتفرَّق بها إلى مذاهب الضَّعفِ والانحِلال، وبهذه الأسواق الجامعة لأشتات القبائل ونِزاعها وأشْرافها وصَمِيمها وفُصَائحها وشُعَرائها بدأت لهجات اللسان العربي تخفُّ بعد ثقلٍ وتلينُ بعد صلاة؛ وتتشابه بعد تنافُر، وتستقرُّ بعد اضطراب، حتى جاءتهم المعجزة التي ألقوا إليها بالمقادة واتَّبعوها كارهين وطائعين وتوافَدُوا إليها وهم في كلِّ حدبٍ ينسلون.

وقام القُرآن على ألسنتهم فضبَطَها وألَّف بينها كما ألَّف بين قُلوب أهلها بعد الشِّقاق والتَّناحُر والعَداوة والبَغضاء، فلانت بالقُرآن ألسِنَةُ القبائل وزادت مطاوعةً وليانًا باجتماع رجالها في الجِهاد وهم على قلب رجلٍ واحد أحباء لا يتنابذون ولا يتدابَرُون.

وكانت هذه الأسواق تجمع أفذاذَ العرب ونوابغها، وتوقظ فيهم القوى الإنسانيَّة كلَّها، خيرها وشرها، ومن تلك القُوَى التي تنبَّهت في أفرادٍ من العربِ الإدراكُ اللغوي، فكان يقومُ هؤلاء الأفراد مقامَ القضاة على قَضايا اللسان العربي، فمن هؤلاء النابغة الذُّبياني وغيرُه.

فكان يُعرَضُ عليهم شِعر القبائل فيُزيِّفون منه زيفَه ويردُّون ساقطَه، ويعلُون عاليَه، ويشهَدون لجيِّده، ولعلَّ نظرةَ هؤلاء القضاة كانت نظرةً شاملة في المعاني والألفاظ ومواقعها وقوَّتها واختلالها، وكانوا قد عرَفُوا بما رُكِّبَ فيهم من أسباب النُّبوغ أحكامًا صحيحة عن أساليب البَيان وأنواع الخطأ الذي يُدرِك اللسان على قلَّته وخَفائه، وكانت أحكامُهم هذه لا تعرف الاصطلاحَ والوضع ولكنَّها كانت أحكامًا فطريَّة، كما رأيت من قول صاحبنا الشجري:"اختلفت جهتا الكلام"، وقوله في المرَّة الأخرى:"أرأيت إنسانًا يتكلَّم بما ليس من لغته"، وغير هذا من الأمثلة الكثيرة التي لم يُسعِفنا الوقت بلمِّ شَعثها وتقييد نُصوصها في هذا المكان، فكان تنبُّه هذه القوَّة في هؤلاء الأفراد، وسيرورة ما يحكُمون به على الشِّعر والخَطابة، هو بدء وضع علم العربيَّة الذي سموه فيما بعدُ نحوًا وبيانًا واشتقاقًا وتصريفًا.

فلمَّا ظهَر الإسلام على الوثنيَّة، وغلب الروم والفرس على أمرهم، واستَفاض الفتح، وتدفَّقت العرب في بلاد الله، وأسلمت الأعاجم أو جلُّها، فاستَقبلت الجزيرة العربيَّة للحجِّ والتكسُّب، وتزاوج العرب من الأمم الأخرى، واختلطت الألسنة الفصيحة بألسنة العجم الرُّوم والنبط - تغيَّرت حاجة العربيَّة بعدَ استِقرار لسانها، فبعد أنْ كانت الأسواق التي تجمعُ العرب هي الحاجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت