الصفحة 14 من 27

وهي الضَّرورة لتهذيب اللسان العربي، صارت الضرورة في أمرٍ آخَر يكونُ حاكمًا للسان العربي؛ لئلا ينزلق إلى مهوى من الضعف ويكون سورًا منيعًا ليردَّ الدُّخَلاء ويكون مَنارًا ليهدي مَن ضلَّ عن سبيله، واعلَمْ أنَّ هذه الحاجة لم تشتدَّ إلا بعد اتِّساع الفتوح الإسلاميَّة، وتوافُد الأعاجم على البلاد العربيَّة مسلمين، وذلك في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ومَن تلاه من الخُلَفاء الراشدين، ثم استمرَّ الأمر على ذلك إلى أنْ ظهر رجالٌ ضبطوا اللسان بأحكامٍ وأصولٍ سموها النحو.

قالوا: إنَّ أوَّل مَن وضع هذه الأحكام والأصول على بن أبي طالب - رضِي الله عنه - وذلك لما رُوِي عن أبي الأسود الدؤلي - رحمه الله - أنَّه قال: دخَلتُ على أمير المؤمنين عليٍّ - عليه السلام - فوجدت في يده رقعةً فقلت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال:"إني تأمَّلت كلام العرب فوجدته قد فسَد بمخالطة هذه الحمراء - يعنى: الأعاجم - فأردت أنْ أضع شيئًا يرجعون إليه ويتعمدون عليه"، وفيها مكتوب: الكلام كله: اسم وفعل وحرف؛ فالاسم ما أنبأ عن المسمَّى والفعل ما أُنبِئ به، والحرف ما أفادَ معنى غير هذين، وقال لي:"انْحُ هذا النحو، وأضِفْ إليه ما وقَع إليك، واعلَمْ يا أبا الأسود أنَّ الأسماء ثلاثة: ظاهر ومضمر واسمٌ لا ظاهر ولا مضمر، وإنما يتَفاضَلُ الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهرٍ ولا مضمر، وأراد بذلك الاسم المبهم".

قال: ثم وضعت بابي العطف والنعت، ثم بابي التعجب والاستفهام، إلى أنْ وصلت إلى باب"إن وأخواتها"ما خلا"لكن"، فلمَّا عرضتها على عليٍّ - عليه السلام - أمرني بضمِّ"لكن"إليها، وكنت كلَّما وضعت بابًا من أبواب النحو عرضته عليه - رضي الله عنه - إلى أنْ حصلت ما فيه الكفاية فقال:"ما أحسَنَ هذا النحوَ الذي قد نحوت"؛ فلذلك سمي النحو.

ورُوِيَ أنَّ سبب وضع عليٍّ - عليه السلام - لهذا العلم أنَّه سمع أعرابيًّا يقرأ:"لا يأكله إلا الخاطئين"، فوَضَعَ النحو.

هذا، وقد كثُرت الرِّوايات في سبب وضْع هذا العلم وأوَّل مَن وضَعَه، وأكثر هذه الروايات باطلٌ لا يقومُ بحجَّة ولا يقعُد.

وهذه الكلمة لا تَكفِي لذِكر كلِّ رواية، وعلَّتُنا في تزييفها وردِّها وإقامة الحجَّة على صواب ما نذهب إليه من أنَّ أوَّل مَن اهتَدَى إلى وضْع ضابطٍ لبعض وُجوه هذا اللسان العربي هو أبو الأسود الدؤلي - رضِي الله عنه - وكذلك اختلفت الرِّواية في أوَّل بابٍ وضَعَه أبو الأسود من علم العربيَّة، والذي نذهَبُ إليه على ضَلال المذهب وتعقُّده، وانتشار أمرِه، أنَّ أوَّل ما وُفِّقَ إلى التنبُّه له أبو الأسود هو باب الفاعل؛ وذلك لكثْرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت