الصفحة 15 من 27

دوران الجملة الفعليَّة على لِسانهم، وظُهور الرفع على طرَف الكلمة ظهورًا بيِّنًا؛ لأنَّ الضمَّة هي أثقل الحركات على اللسان العربي. واعلَمْ أنَّ هناك مذهبَيْن للرأي في أوَّل ما وُضِعَ من علم النحو:

أحدهما: أنَّ أوَّل ما وضَع أبو الأسود من أبواب النحو ما وقَع فيه اللحن، وهذا ما ذهَب إليه جمهورُ النحويين أصحابُ كتب التراجم الذين ترجموا للُّغويين والنحاة.

والآخَر: أنَّ علم النحو وُضِعَ على أساسٍ من التفكير في استنباط قواعد العربيَّة تضبطُها وأصول يُبنَى عليها، فأوَّل ما يُوضَع من القواعد ما يكونُ أقرب إلى مُتناوَل الفكر في الاستنباط.

ونحن لا نستطيع أنْ نُزيِّف الرأي الأوَّل؛ إذ كان هو الذي وردَتْ به الرواية الصحيحة مهما اختُلِف في الذي وقَع فيه اللحن من أبواب العربية، فقد رأيتَ قبلُ أنَّ سبب وضع العربيَّة أنَّ عليًّا - رضِي الله عنه - سمع أعرابيًّا يقرأ:"لا يأكله إلا الخاطئين".

وقالوا: إنَّ أعرابيًّا قدم المدينة في زمان عمر - رضي الله عنه - فقال: مَن يُقرِئُني ممَّا أنزل الله؟ فأقرأه رجل (براءة) فقرأ: ? أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ? [التوبة: 3] ، بكسر اللام من ? رسوله ? فقال الإعرابي: أوَقَدْ بَرِئَ الله من رسوله! إنْ يكن الله قد بَرِئَ من رسوله فأنا منه أبرَأُ، فبلغَتْ مَقالةُ الإعرابي عمرَ، فاستَوْثَقَ عمر من الخبر، فلمَّا عرفه أمَرَ ألا يُقرِئَ القُرآن إلا عالم باللغة، ودعا أبا الأسود فأمَرَه فوضَع النحو.

وقالوا: إنَّ سبب الوضع أنَّ ابنة أبي الأسود قالت له يومًا: يا أبه، ما أحسنُ السماء! فقال: أيْ بنيَّة! نجومُها، قالت: إنِّي لم أُرِدْ أي شيء منها أحسن، إنما تعجَّبت من حُسنها، قال: إذًا فقولي: ما أحسنَ السماء، فحينئذٍ وضع كتابا ... إلى غير ذلك من الروايات.

ولا شكَّ أنَّ همَّة أبي الأسود لم تنهَضْ إلى الفكر في وضْع أصولٍ تُضبَطُ بها العربيَّة أو أبوابٍ منها إلا بعد أنْ بدر اللحنُ على لسان المسلمين من الأعاجم ومَن كثُر اتِّصاله بالأعاجم ولُغاتها من العرَب، حتى دخَل الضَّيْم على لسانه فأفلتت منه فطرته الفصيحة، وهذا نادرٌ لا تكاد تجدُه في الزمن الأوَّل أبدًا.

غير أنَّنا لا نقول بأنَّ أوَّل ما وُضِعَ من أبواب العربيَّة هو ما وقَع فيه اللَّحن، بل نقول: إنَّ ما وقَع فيه اللَّحن هو الذي دفَع أبا الأسود إلى التفكير في وضْع ضوابط للعربيَّة، وقد جاء في الرواية عن ابن الأنباري قال: حدَّثنا يموتُ - يعنى: ابن المُزَرِّع - حدَّثنا أبو حاتم السجستاني، سمعت محمد بن عباد المهلبي، عن أبيه قال: سمع أبو الأسود الدؤلي - رضِي الله عنه: ? أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت