الصفحة 16 من 27

مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ? [التوبة: 3] ، بالجر فقال: لا تطمئنُّ نفسي إلا أنْ أضع شيئًا أصلح به لحنَ هذا، أو كلامًا هذا معناه.

ونحن نُرجِّح أنَّ أبا الأسود إنما عَنَى بكلمته هذه ما أشاروا إليه في روايتهم من أنَّ أبا الأسود أتى بالمصحف واختار من عُقَلاء الرجال رجلًا من عبدالقيس فقال له: خُذِ المصحف وصبغًا يُخالف لون المِداد الذي كُتِبَ به، فإذا أنا فتحت شفتي فانقط واحدةً فوق الحرف، وإنْ ضمَمتُهما فأجعل النُّقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسَرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت شيئًا من هذه الحركات غُنَّة فانقط نقطتين، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخِره ... ثم إنَّ أبا الأسود بدَأ يُفكِّر في وضْع قَواعد لضبط الكلام.

فالرأيُ عندنا أنْ يكون ما وقَع فيه اللحن هو الذي استنهض أبا الأسود لوضْع العربيَّة، ولا يلزمنا أنْ نقول: إنَّ أوَّل ما وضع من أبواب العربيَّة هو الباب الذي وقَع فيه اللحن، ومن هنا تمهَّد سبيلُنا للمذهب الآخَر الذي قُلنا به من أنَّ أبا الأسود اجتهد في استِنباط القواعد، فوقعت له أبوابٌ وضع لها قاعدة تلمُّ ببعض ما فيه، وقد قُلنا قبلُ: إنَّنا نذهبُ إلى القول بأنَّ أوَّل بابٍ وضعه أبو الأسود هو باب الفاعل، وقد روَى الشيخ الجليل الإمام السيرافي أنَّ السبب في وضْع العربيَّة أنَّه مَرَّ بباب أبي الأسود سعدٌ الفارسي (هو سعد بن بالويه الفارسي، شهد الردَّة وأبلى بلاء حسنًا) وهو يقودُ فرسه فقال له: ما لك يا سعد لا تركب؟ فقال: إنَّ فرسي ضالع (أراد: ظالعًا) (1) فضَحِك به بعضُ مَن حضَرَه فقال أبو الأسود: هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخَلوا فيه، فصاروا لنا إخوةً، فلو علَّمناهم الكلامَ، فوضع باب الفاعل والمفعول به ولم يزدْ عليه، وذكر مثلَه ابنُ حجرٍ في"الإصابة"عن ابن أبي سعد.

وهذه الروايات وإنْ كانت لا تقومُ دليلًا على

(1) وأنت ترى هنا أنَّ الخطأ لم يكن في وضْع حركةٍ من حركات الإعراب في غير موضعها بأنْ نصَب ما يستحقُّ رفعًا أو رفَع ما أمرُه الكسر، بل أخطَأَ سعدُ بن بالويه في منطق حرفٍ من حروف العربيَّة خلط بينه وبين حرفٍ آخَر يُشبِهه، فانظُر إلى قول أبي الأسود بعدُ:"فلو علَّمناهُم الكلام"، ثم التعليق على ذلك بقول الراوي:"فوضَع باب الفاعل والمفعول"فإنَّ سعدًا لم يلحَنْ في إعرابٍ، ولكنَّه لحن في مخرج حرفٍ من الحروف، وذلك لا يكون من جرَّائه أنْ يضع أبو الأسود بابَ الفاعل والمفعول به، إلا أنْ يكون هذا الخطأ من أخطاء كثيرة قبله في أبوابٍ من النحو كانت دواعيَ في صدْر أبي الأسود تُحفِّزه للتفكير في وضْع ضابطٍ للسان قومِه يَقِيهم مزلَّة اللحن، ويتعلَّم به الغريب عن لسانهم كيف ينطقُ الصواب أو كيف يتَّقي الخطأ إذا أوشك أن يقعَ فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت