الصفحة 17 من 27

مذهبٍ بعينه؛ لكثْرة اختلافها وتباعُد بين أطرافها، إلا أنها تجنحُ بنا إلى الاطمِئنان إلى الرأي الذي نذهَبُ إليه (1) ، وذلك أنَّنا نظَرْنا فوجَدْنا أنَّ أبا الأسود حِين خَلا يُفكِّر في ضبْط الكلام أخَذ يعرضُ على فِكره صُوَرَ الكلام العربي؛ فأوَّل ما يعرض من ذلك أكثر الصِّيَغِ دورانًا على اللسان كقولهم: ركب سعدٌ الفرس، وكذا وكذا من الجمل الفعليَّة، فلمَّا وجد أنَّ الذي يخبر عنه بأنَّه قد ركب أو فعل شيئًا ما يقعُ من الكلام أبدًا مضمومًا وقَع له الرأي بأنَّ مَن فعَل الرُّكوب أو غيره يجب أنْ يقع في مثل هذه الصيغة مرفوعًا أبدًا، ثم بدا له باب المفعول به، وهو الذي وقع عليه فعلُ هذا الفاعل، فرآه منصوبًا أبدًا فأمَرَّه على ذلك، ويَلِي هذين بابُ المبتدأ والخبر؛ لتَدانِي الشَّبه بينه وبين هذين البابين، ولعلَّ أبا الأسود وقَف عند هذه الأبواب الثلاثة ولم يزد عليها (2) .

ثم تلقَّى هذا عن أبي الأسود رجالٌ من العَرَبِ، فأخفق كثيرٌ منهم في زيادة شيءٍ على ما تلقَّوْه منه؛ فقد ذكر السيرافي أنَّ أبا الأسود لَمَّا وضَع باب الفاعل والمفعول به زادَ في ذلك الكتابِ رجلٌ من بني ليث أبوابًا، ثم نظَر فإذا في كلام العرب ما لا يدخُل فيه، فأقصَرَ عنه، قال السيرافي: ولعلَّ هذا الرجل هو يحيى بن يعمر.

وكانت الطبقة الأولى التي أخذت القراءة - قراءة القُرآن - عن أبي الأسود، وتلقَّت منه

(1) روى ابن النديم صاحب"الفهرست"عن محمد بن إسحاق أنَّ رجلًا بمدينة الحديثة اسمه محمد بن الحسين ويُعرف بابن أبي بعرة قد آلَتْ إليه خِزانة صديقٍ له كان مشتهرًا بجمع الخطوط القديمة، قال ابن إسحاق:"فرأيتُها وقلَّبتها فرأيت عجبًا، إلا أنَّ الزمان قد أخلقها وعمل فيها عملًا أدرسها ..."، ثم قال:"ورأيت (عنده) ما يدلُّ على أنَّ النحو عن أبي الأسود ما هذه حِكايته ... وهي أربعة أوراق أحسبها من ورق الصين ترجمتها هذه، فيها كلامٌ في الفاعل والمفعول من أبي الأسود - رحمة الله عليه - بخطِّ يحيى بن يعمر، وتحت هذا الخط بخطٍّ عتيق"هذا خط علان النحوي"، وتحته:"هذا خط النضر بن شميل"."

(2) قدَّم سيبويه في كتابه باب المبتدأ والخبر (وهو المسند والمسند إليه) على باب الفاعل والمفعول به، وهذا عِندنا لعلَّةٍ لم نجد أحدًا ذكَرَها ممَّن تقدَّمَنا في هذا العلم؛ وذلك أنَّ سيبويه لما رأى اتِّفاق حالي المسند والمسند إليه في الرفع والاسميَّة واختلاف حالي الفعل مع الفاعل والمفعول به بين الرفع والنصب والفعليَّة والاسميَّة، قدَّم ما اتَّفق على ما اختلف، وهذا صُنْعٌ جيِّد ونظرٌ دَقيق من الإمام الكبير سيبويه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت