وخطأ حتى يَنقاد على الزمن ما تَعاصَى عليه أولًا، ولا يَكاد يفهم من الكلمات التي دُرِّبتْ بها أذناه إلا ما أرسَلت عليه من الأشياء أو المعاني الأُولى التي اقترنت في سمعه بصُورة ما أُشير إليه في عَيْنيه، ويَبقَى الطفل كذلك إلى مدى قبل أنْ تتنبَّه فيه القوَّة الإنسانيَّة العالية: قوَّة إدراك ما يحسُّ وما لا يسمع وما لا يرى، فإذا ما تنبَّهت فيه هذه القوَّة بدأ يُغنِي عن اقتران الإشارة بالأصوات المسموعة من مخارج الكلام، وبدَأ يُراقِبُ فيما يرى وما يسمعُ وما يحسُّ خَصائص يهتدي إليها بفِكره وعقله تقوم لديه مقام الإشارة غي فهمه الأوَّل.
ثم لو أنَّك ترَكتَ جماعةً من النَّشْءِ الصغار وحدَهم وأمهَلتَهم زمنًا يطولُ أو يقصر، ومنعت تسرُّب أحاديث الناس إلى آذانهم - لرجعتَ إليهم وقد أحدثوا لما تقعُ عليه أبصارهم من شيءٍ ألفاظًا يُعبِّرون بكلِّ واحدٍ منها عن شيءٍ بعينِه، وهذه الألفاظ إمَّا أنْ تكون حكايةَ صوتٍ أو تمثيلَ شكلٍ أو تقليدَ حركةٍ إلى غير ذلك من أساليب التعبير، ولو أنَّك انتزعت الهمَّة لمراقبة هؤلاء الصِّغار في وطنهم هذا لرَأيتَ أنَّ ما يُحدِثونه من الألفاظ يجري اللفظ منها على لسان أحدهم مرَّةً وأخرى ولا يزال يُبدِئه ويعيدُه على أسماع أترابه وهم يُقلِّدونه ويُحاكونه حتى تنذلقَ به ألسنتهم وتلينَ له حَناجرهم؛ فمن ثَمَّ يجري هذا بينَهم لفظًا موضوعًا لمعنى خاص أو شيء بعينِه، ولا شَكَّ عندنا أنَّ هذا النوع من التعبير ممَّا يُهدَى إليه الطفل إلهامًا وتوقيفًا لا اجتهادًا ولا مُواضعة.
فدربة أعْصاب السَّمع على أصواتٍ بعينها تشيرُ إلى أشياء أو تدلُّ على مَعانٍ، ولزوم الحاجة إلى الإشارة إلى هذه الأشياء أو الدلالة على هذه المعاني هي الدرجة الأولى في نَشْأة اللغة على ألسنة البشر.
فعلى هذا الأساس نرى أنَّ اللغة الأولى للإنسان كانت قليلةَ الحروف بسيطة التركيب، مصحوبةً بالإشارة للدلالة على الشيء الذي أُرسِل عليه اللفظ، فما أرادت حاجةُ الاجتماع أنْ تمدَّ من هذه اللغة وتبسط، انتقصت من الحاجة إلى الإشارة واستبدَلت مَكانها تخالُف الأصوات على الحرف الواحد بانفِراج الفم وزمِّ الشفتين وفتحهما ومدهما وتحريك اللسان وتقليبه وموقعه من الأسنان، فلمَّا أحدث الاجتماع حاجةً إلى المد والبسط أكثر من ذي قبلُ، كانت قد نشَأتْ في الألسنة مُرونةٌ تأتَّتْ لها من كثرة تقليبها وتحريكها في الفم؛ فساعدت هذه المرونة على إنشاء حروف كثيرة مُتقاربة المخارج لا يميز بعضها من بعضٍ إلا الجرس في خَفائه ووُضوحه وموقع اللسان من الثَّنايا والأسنان وغار الفم.