ولعلَّ هذه الحروف الأولى التي لا نعرفُها ولا نعرف عددها (1) كانت هي الألفاظ التي يدلُّون بها على المعاني ويُومِئون بها إلى الأشياء، ثم تدرَّجَ ذلك على الأيَّام حتى رُكِّبَ الحرفان والثلاثة لأشياء حدَثَتْ ومَعانٍ وقفوا عليها وأرادوا التعبير عنها.
وهنا اختلف العلماء اختلافًا كبيرًا في نشأة اللغة على الألسنة الإنسانيَّة، فرموا الحجَّة بالحجَّة، واستفتَحُوا أبوابًا من الجدل في أمرِها؛ توقيفٌ هي أم اصطلاح، فذهبت بهم ألسنتُهم مذاهب تستقيمُ تارةً وتلتوي أخرى، وانتهوا إلى مَجاهِل من القول لا يهتَدِي فيها دليلٌ.
وما خرَجُوا منها إلا بالقوَّة على الجدل، والقُدرة على تشقيق الكلام وترقيعه وتلفيقه.
والرأي عندنا أنَّ نشأة اللغة لا بُدَّ أن تُرَدَّ إلى ما تُرَدُّ إليه أصولُ العلوم الإنسانيَّة كلها من طبيعة النُّبوغ في فردٍ من الأفراد أو أفراد من الجماعة، ولا يفوتنَّك هنا أنَّ النُّبوغ إلهامٌ ولا شَكَّ، وأنَّ هناك معانيَ تتَساقَطُ على عقلٍ يُشرِقُ في ظَلام زمنِه بما سوغ من دِقَّةٍ في التركيب، ورقَّة في الإحساس، وقُدرة على التعبير، وأنَّ هذه المعاني لا يُجدِي في إيجادها استِجلاب ولا تحصيل ولا حشْد، ولا تحسبنَّ أنَّ النُّبوغ هذا لا يكون إلا في مَعاني الشعر أو آراء الفلسفة أو أحكام العلوم، بل النُّبوغ إشراقٌ في الإنسانيَّة يُوضِّح لها ما لم يكن واضحًا، ويهديها إلى ما كانت عنه من ضَلالٍ مُبِين، فالاهتداء إلى لفظٍ واحد جديد للتعبير عن شيءٍ كان مهملًا لا لفظَ في طفولة الإنسانيَّة؛ كالاهتداء إلى سِرِّ سقوط الأشياء من أعلى إلى أسفل بالجاذبيَّة في عصر شَباب العلم.
فآدم النَّوابغ حين كان في الأرض ورأى وأحسَّ وفكَّر، أشرقتْ عليه معانٍ بقَدرِها، وأُلْهِمَ التعبير عنها بما يُسِّرَ له، فنطَق باللفظِ المبتدأ المرتَجَل الذي أُلقِي إليه إلهامًا لا اجتِهادًا واعتِمالًا، وحمل هذا اللفظ قوَّة مُستبدَّة من رُوح النابغة إلى مَن سمع منه وأشرق نُبوغه على الشيء الذي يبتغون التعبيرَ عنه، فلزمهم تقليدُه وانصاعوا؛ فنطقوا بما نطَق به محاكاةً لا إرادةَ فيها إلا قليلًا.
(1) ولا تزال الدلالة على شيءٍ أو معنى بالصوت أو الحركة أو الحرف الواحد مستعملةً معروفةً في لغات القبائل من همج إفريقيا وغيرها،
ومن هذا البابِ انتهى الإمامُ أبو الفتح عثمان بن جني إلى القول بأنَّ الحروف تدلُّ على المعاني، وقد عقَد لذلك فُصولًا في كتابيه:"الخصائص"، و"سر العربية"، ونقل عنه من ذلك الباب كثيرٌ.