فاللغة على ذلك إلهامُ فردٍ مُرهفِ الحسِّ، مُشرِق العقل، دقيقِ التركيب، قويِّ الروح، مهيَّأٍ للتأثير في غيره تأثيرًا كبيرًا، وكأنَّ هذا النابغة حين ينطقُ بما أُلقي في روعه من اللفظ المعبِّر عن الشيء أو عن المعنى المقصود يُوحِي إلى سامِعِيه استعمال هذا اللفظ؛ فيَنقادون غريزةً وضَرُورةً إلى مُجاراته ومُحاكاته طائعين (1)
وأنت ترى الشاعر الكبير حين يُعبِّرُ عن شيءٍ الناسُ يحتاجون إلى التعبير عنه، ويكون تعبيره هذا قويًّا جَذَّابًا مُستحكمًا، لا يلبث أنْ يَعلَقَ هذا التعبير بذهن كلِّ مَن قرأه ثم يجري على الألسنة اقتِدارًا حتى يذيع ويُصبِح بمكانٍ من اللغة مُشرفًا واضِحًا زمنًا يطولُ أو يقصرُ، ولا يحد أهل العصر على ذلك مندوحةً من إرساله في كَلامهم وكُتبهم ورسائلهم، وما يمسُّه من شُؤون حَياتهم واجتماعهم، فهذا هذا كما ترَى.
ولا يَذهَبنَّ عنك بعدَ ما رأيت أنَّ اللغة إنما هي أداةٌ للتعبير التي يتخذها كائنٌ حي في الإشارة إلى شيءٍ، أو الإفصاح عن غَرَضٍ، أو الدعاء في طلب، أو الإعراب عن ضمير نفسه بما يجولُ فيها، فهي على ذلك تجمعُ الإشارة بالجوارح أو الأعضاء من تلويحٍ بيد أو إيماءٍ برأس أو تقطيبٍ أو اهتزاز أو تصويت أو منطق، هذا عندنا هو الأصل في المعنى الذي تُراد له"اللغة"، ثم قام هذا اللفظ"أعنى اللغة"للكلام المنطوق المركَّب من أحرُفٍ على هيئةٍ بعينها، وتتألَّف من هذه الأحرف كلماتٌ على أوضاعٍ تخصُّ بها، تدلُّ على مَعانٍ تختلفُ باختلاف التركيب والوضع.
قلنا: إنَّ أداة التعبير الأولى إنما هي من آثار النُّبوغ في فردٍ من الأفراد، وتساوق النبوغ بعدُ في إحداث ما يُعبِّر به عمَّا يرى وما يسمعُ وما يحسُّ؛ فتكاثرت"الكلمات"التي يُعبَّر بها عن الأشياء والمعاني، وتصرَّمت الأجيال على نماء أدوات التعبير وزِيادتها، ثم تصرَّمت الأجيال
(1) واعلم أنَّ النابغة يملكُ قوَّة مُدبِّرة مُصرِّفة لا يُقاومها شيءٌ، تغلب الناسَ من أهل عصره أو بعد عَصرِه، على هواهم، وتجري بهم من مَذاهب المعاني والألفاظ والأساليب والعلوم بتصريفٍ عجيب وتدبيرٍ غريب، حتى تصلَ بهم إلى غايةٍ منصوبة، ولا يملك أحدٌ عن ذلك معدلًا ولا محيصًا، فكان عقلُ النابغة من هؤلاء بمنزلة المُوحَى إليهم يُلهِمهم بما يُسِّرَ؛ فلا يجدون بُدًّا من التصرُّف معه إلى غايةٍ لم يكونوا انتهَضُوا لها ولا أرادوها، وتلك هي العلَّة في أنَّ الناس يعتنون برجلٍ منهم كبير العقل صافي النَّفس قوي الأثر؛ حتى يُصبح خطؤه الكبير فوق صَواب الناس، فيَأخُذون به مسلما ثم إذا عُوتِبوا فيه أخَذوا يُولِّدون له كلَّ علَّةٍ من كلِّ شيء ولا يرون في كلِّ علةٍ إلا صوابًا فوق الصواب، وحقًّا يعلو على كلِّ حقٍّ: حتى يأتي العصر الذي يشرق فيه عقلٌ آخَر يزيفُ ما صحَّحوا؛ فيصرفهم عمَّا كانوا فيه من عماية وضَلالٍ، وهذا مرض قديم في العقل الإنساني، لم يبرأ منه مرَّة واحدة على مَدارج التاريخ كلها.