مما يخل بضبط الراوي لكتابه أن يدع الكتاب عند الأداء ويحدث من حفظه، وتوضيح ذلك أن الراوي عند الأداء إما أن يملي أو يحدث من حفظ أو من كتاب، أو يقرأ عليه غيرُه من حفظ أو من كتاب وهو يسمع، سواء كان حافظًا أم لا إذا كان كتابه بيده أو بيد ثقة عنده، والأرجح أن يحدث من كتاب ولا يتكل على حفظه لأن الحفظ خوّان1، ولذلك قال الخطيب:"الاحتياط للمحدث والأولى به أن يروي من كتابه ليسلم من الوهم والغلط ويكون جديرًا بالبعد من الزلل"2. وقال علي بن المديني:"عهدي بأصحابنا وأحفظهم أحمد بن حنبل، فلما احتاج أن يحدث لا يكاد يحدث إلا من كتاب"وقال ابن المديني أيضًا:"قال لي سيدي أحمد: لا تحدثني إلا من كتاب"3. وقد حدث بعض المحدثين وهم أصحاب كتب، واتكلوا على حفظهم ولم يراجعوا كتبهم فوقعوا في أوهام، ودخل الخلل في بعض مروياتهم وضُعفت بسبب ذلك تلك المرويات. وقد كشف الإمام أحمد عن هذا الجنس من الرواة وذكر بعض الأحاديث التي وهموا فيها بسبب روايتهم لها من حفظهم دون كتابهم، فمنهم:
1.إبراهيم بن سعد الزهري أبو إسحاق المدني:
أحد الأعلام، وثقه أحمد في عدة روايات4، وأنكر على يحيى بن سعيد
1 وهذان طريقان من طرق تحمل الحديث، وهما السماع والعرض انظر: تدريب الراوي 2/8، 12، فتح المغيث 3/127.
2 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/10.
3 المصدر نفسه 2/12.
4 انظر: مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابنه صالح 3/155 رقم1551، سؤالات أبي داود للإمام أحمد ص224 رقم202، تاريخ بغداد 6/83، تهذيب الكمال 2/90.