تقدم أن من صور الإرسال عند الإمام أحمد رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه، وكذلك روايته عمن لقيه ولم يسمع منه، واستقر تسمية كلتا الصورتين بالإرسال الخفي، ووجه تسميتهما بذلك أن الانقطاع فيهما ليس بجلي، لأنه لا ينجلي بمعرفة التاريخ، وإنما يدركه الأئمة الحذاق المطَّلِعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد.
وقد تقدم إيراد بعض الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد بعدم سماع بعض رواتها ممن رووا عنهم في معرض الاحتجاج لمسألة اشتراط الإمام أحمد ثبوت السماع لثبوت الاتصال.
وفيما يلي أمثلة أخرى لما أعله الإمام أحمد بالإرسال الخفي بكلا صورتيه:
1.قال الخلال: أخبرني عصمة، ثنا حنبل: حدثني أبو عبد الله: نا قراد1: ثنا شعبة، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"استقِيموا لقُريْشٍ ما استقاموا لكم فإن لم يَستقيموا لكم فاحمِلو سُيُوفَكم على عواتِقِكم فأبِيدوا خَضَراءَهُم، فإن لم تفعَلوا فكونوا زرَّاعين أشقياءَ وكُلُوا من كَدِّ أيديكُم". قال مهنّا: سألت أحمد عن هذا الحديث؟ فقال: ليس بصحيح، سالمُ بن أبي الجعد لم يلقَ ثَوْبانَ2.
هذا الحديث أخرجه الخلال في السنة3 بالإسناد نفسه، وأخرجه الطبراني
1وقع في نسخة المحقق: مردال، فكتب بياضًا مكانه، والتصويب من كتاب السنة للخلال، فقد أخرجه بالإسناد نفسه كما سيأتي. وقُرَاد لقب لعبد الرحمن غزوان أبو نوح الضبي، ثقة له أفراد تقريب التهذيب 4003.
2المنتخب من العلل للخلال ص162-163 رقم82. وانظر أيضًا: السنة للخلال 1/127.
3السنة للخلال 1/125 ح80.