فإذا كان الأمر كذلك فلا يرتبط الحكم على رواية المدلس بمجرد عنعنته لأن صدورها قد لا يكون منه بل ممِن دونه. ولعل هذا ما عناه أبو داود عند ما سمع توقف الإمام أحمد في المسألة فقال كالمعلِّل له:"الأعمش متى تُصاد له الألفاظُ؟".
وأما غير الإمام أحمد من الأئمة فجمهورهم على الاحتجاج بما رواه المدلس الثقة مما صرّح فيه بالسماع دون ما رواه بلفظ محتمل1، وطائفة منهم يفرق بين أن يُدلس عن الثقات فيُقبلُ حديثُه وإنْ عنعنَهُ، وبين أن يُدلس عن غير الثقات فلا يُقبل حديثُه حتى يصرِّحَ بالسَّماع، وعليه طائفة من فقهاء أصحاب الإمام أحمد كما قال ابن رجب2.
وأما التدليس من ناحية الحكم عليه في نفسه كفعل يمارسه بعض الرواة فالذي ورد عن الإمام أحمد هو القول بكراهته، ولما قيل له: قال شعبة: هو كذب، قال أحمد: لا، قد دلّس قوم ونحن نروي عنهم. ا.هـ3. وقال ابن هانئ:"سُئل ـ يعني الإمام أحمد ـ عن داود بن الزِّبِرقان؟ قال: إنما كتبت عنه حديثًا، وقال: ما أُراه يكذب، ولكن كان يدلِّس"4.
1جامع التصحيل ص98.
2شرح علل الترمذي 2/583.
3شرح علل الترمذي 2/584.
4مسائل الإمام أحمد ـ برواية ابن هانئ 2/230 رقم2265.