اختلاف صبغاتهم وغاياتهم ويسمونهم راديكاليين في أمريكا. وأمضى سلاح يستعمله هؤلاء هو الماركسية الصحيحة أو المحرفة أو النظريات التي تقرب منها وأهم ما تتصف به حركتهم إذا استثنينا الشيوعيين هو تمسكها بالشكل الديمقراطي السياسي أي التصويت العام والبرلمان.
أما الذين يحاربون فكرة الديمقراطية ولا يرونها صالحة لحياة الشعوب فهم فئات خلقتها ظروف ما بعد الحرب يمثلها الآن الفاشستية الايطالية والاشتراكية الوطنية الألمانية وقد نشأت هذه الجماعات منذ تكونها نشوءًا ثوريًا أي أنها تؤمن بالعمل المباشر ولا تتقيد بالقوانين والأنظمة العامة إلا حينما ترى فيها معينًا على تحقيق أهدافها. وحملتها على الديمقراطية شديدة جدًا كما هو معروف. لا تقر فائدة التمثيل الحاضر بل ترميه بالفساد والانقياد لتحقيق المطامع والغايات الشخصية وتتهمه بالعجز عن حسن إدارة الشؤون العامة وخصوصًا عن القضاء على الماركسية الرهيبة التي تهدد حقًا كيان النظام الاجتماعي الحاضر. وسلاح هذه الحملة بعض المبادئ الفكرية كالقومية وإقرار مبدأ التمييز بين الأجناس وبين الطبقات. وبالرغم من كون هذه الحركة فكرية فهي لا تهمل الناحية الاقتصادية في برامجها وأعمالها وتصرح بمحاربة الرأسمالية الطليقة ولكنها في الواقع تحتفظ بجوهرها وهو صيانة الملكية الشخصية كما تحتفظ بمبدأ حرية المقاولات وأن كانت ترمي لتنظيمه.
إن مهاجمة الأنظمة الديمقراطية ضعيفة في الوقت الحاضر في أمريكا ولكن هناك نقمة تكاد تكون عامة على بعض الأصول الإدارية وعلى زمرة السياسيين أجمالًا. فالسياسة والسياسيون موضع ازدراء واحتقار كالاحتيال والمحتالين. وهذا الحادث يكاد أن يكون أمريكيًا بحتًا ولا تصعب معرفة أسبابه على من عرف شيئًا عن حياة الأمريكيين العامة. فالواقع أنهم أخفقوا أخفاقًا شديدًا في ممارسة الحكم والسياسة والإدارة. فلم يستفيدوا من ذلك شيئًا من أمهم انكلترا حيث بلغت هذه الصناعة الأوج في الإتقان والدقة وتفوق الأمريكيون تفوقًا لا يجارى في ممارسة الأعمال الصناعية والمالية على وجه عام. وقد خلق نجاحهم هذا ثقة في نفوسهم لا يوازيها غير ثقة الانكليز الناتجة عن نجاحهم في صناعة الحكم والدولة. إن نجاح رجال الأعمال في أمريكا ترك أثرًا عميقًا في الديمقراطية الأمريكية إذ