تكيفت لتسهل النجاح في هذا المنحى. وسار الشعب وراء ملوك المال بلا تحفظ ولا تردد مندهشًا بما أحرزوه من ثروات هائلة مؤمنًا بكفاءتهم ومقدرتهم الخارقة. لم يباشر هؤلاء الملوك الحكم بأنفسهم بل اكتفوا بشراء رجال السياسة وتسخيرهم فيما يريدون فاتقوا بذلك سخط الشعب واحتفظوا بإعجابه وتكريمه. وحرص رجال السياسة على ما اكتسبوه من سلطة وعملوا على توطيدها وأساءوا للشعب يحميهم جيش من المرتزقة والأتباع. أن تسلط رجال السياسة واستفحال شرهم دهرًا طويلًا دون أن يحرك الشعب ساكنًا ضدهم لغز يصعب علينا فهمه. ولكن الغرائب غير مستغربة في أمريكا. فشعبها النشيط منصرف لأعماله لا يعبأ بالسياسة ولا يعيرها اهتمامًا. أما ملوك المال فلم يروا فائدة كبرى بالضرب على أيدي المسيئين وقد صرح أحد قادتهم في نيويورك بأن شراء هؤلاء الإماقيين أو دفع جزية لهم لاتقاء شرهم هو أقل ما ينبغي أن ينفق من المال لطردهم والقضاء عليهم.
إن هذه النقمة على رجال السياسة امتدت منذ عهد غير بعيد حتى أحاطت بملوك المال. ولكنها تتعلق من حيث الهدف بالفروع والتطبيق ولا تلمس الأصول والمبادئ العامة. أما الحملة الحقيقية فتستهدف النظام الاقتصادي المتقمص في ثوب الديمقراطية وترى هذا النظام لم يعد متفقًا مع روح الديمقراطية وجوهرها وأن الظروف التي وضعت فيها المبادئ العامة المشتقة من فكرة الديمقراطية قد تبدلت تبدلًا كليًا وإنه لابد من إعادة النظر في تلك المبادئ لتغييرها أو تفسيرها تفسيرًا جديدًا يلتئم مع ظروف المعيشة الحاضرة. فالأمريكي يشعر اليوم أن حقه في العمل والكسب لأجل العيش أهم من حقه في التصويت والعامل الأمريكي اكتشف بعد غفلة طويلة أن الحقوق الممنوحة له في الدستور لم تفده دائمًا في تحسين أحواله وأن أكثرها سلاح يستخدم ضده ولذا أصبح مرتابًا بتلك الحقوق.
إن القادة من المحافظين على الديمقراطية شديدو الانتباه لحاجات الشعب التي نشأت من تبدل ظروف الحياة والعيش. ينظرون بعين الاعتبار للتوازن الجديد بين القوى الاجتماعية الحاضرة وهو بعيدون عن التعصب والتمسك بالتقاليد لذاتها شديدو الحرص على التطور والتكيف. لا يجهلون أن العامل الاقتصادي قد اكتسب أهمية في الحياة الحاضرة لم تكن له في زمن من الأزمنة. وأدركوا أنه لابد من تبديل مضمون الديمقراطية لصونها من مخاطر الهجمات الموجهة إليها سواء من اليمين أو الشمال. ورأوا أن الإصرار على المحافظة على