فهرس الكتاب

الصفحة 1245 من 5109

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى -مُخَاطِبًا -لِلرَّسُولِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (1) وَالْمُرَادُ جِنْسُ الْإِنْسَانِ لِيَحْصُلَ الْجَوَابُ: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} أَيْ: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَمَنِّهِ وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} أَيْ: فَمِنْ قِبَلِكَ، وَمِنْ عَمَلِكَ أَنْتَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشُّورَى: 30] .

قَالَ السُّدِّيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَابْنُ جُريج، وَابْنُ زَيْدٍ: {فَمِنْ نَفْسِكَ} أَيْ: بِذَنْبِكَ.

وَقَالَ قَتَادَةُ: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} عُقُوبَةً يَا ابْنَ آدَمَ بِذَنْبِكَ. قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ:"لَا يُصِيبُ رَجُلًا خَدْش عُودٍ، وَلَا عَثْرَةُ قَدَمٍ، وَلَا اخْتِلَاجُ عِرْق، إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ".

وَهَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ قَتَادَةُ قَدْ رُوِيَ مُتَّصِلًا فِي الصَّحِيحِ:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، وَلَا نَصَبٌ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّر اللَّهُ عَنْهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ". (2)

وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} أَيْ: بِذَنْبِكَ، وَأَنَا الَّذِي قَدَّرْتُهَا عَلَيْكَ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سَهْلٌ -يَعْنِي ابْنَ بَكَّار -حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ وَاصِلِ بْنِ أَخِي مُطَرِّف، عَنْ مُطَرِّف بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَا تُرِيدُونَ مِنَ الْقَدَرِ، أَمَا تَكْفِيكُمُ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وِإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} أَيْ: مِنْ نَفْسِكَ، وَاللَّهِ مَا وُكِلُوا إِلَى الْقَدَرِ وَقَدْ أُمِروا وَإِلَيْهِ يَصِيرُونَ.

وَهَذَا كَلَامٌ مَتِينٌ قَوِيٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ أَيْضًا، وَلِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا} أَيْ: تُبْلِغُهُمْ شَرَائِعَ اللَّهِ، وَمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَمَا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ.

{وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} أَيْ: عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَكَ، وَهُوَ شَهِيدٌ أَيْضًا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، وَعَالِمٌ بِمَا تُبْلِغُهُمْ إِيَّاهُ، وَبِمَا يردون عليك من الحق كفرا وعنادًا.

(1) زيادة من أ.

(2) رواه مسلم بنحوه برقم (2572) من حديث عائشة، وبرقم (2573) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت