فهرس الكتاب

الصفحة 2254 من 5109

وَذَكَرُوا أَنْ وَفَدَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى مُسَيْلِمَةَ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ عَمْرٌو لَمْ يُسْلِمْ بعدُ، فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو، مَاذَا أُنْزِلَ عَلَى صَاحِبِكُمْ -يَعْنِي: رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ؟ فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ أَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ سُورَةً عَظِيمَةً قَصِيرَةً فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سُورَةُ الْعَصْرِ] ، فَفَكَّرَ مُسَيْلِمَةُ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ أُنْزِلَ عَلِيَّ مِثْلُهُ. فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ:"يَا وَبْرُ (1) إِنَّمَا أَنْتَ أُذُنَانِ وَصَدْرٌ، وَسَائِرُكَ حَقْرٌ نَقْر، كَيْفَ تَرَى يَا عَمْرُو؟"فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: (2) وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ لَتَكْذِبُ"، فَإِذَا كَانَ هَذَا مِنْ مُشْرِكٍ فِي حَالِ شِرْكِهِ، لَمْ يُشْتَبَهْ عَلَيْهِ حَالُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقَهُ، وَحَالُ مُسَيْلِمَةَ -لَعَنَهُ اللَّهُ -وَكَذَبَّهُ، فَكَيْفَ بِأُولِي (3) الْبَصَائِرِ وَالنُّهَى، وَأَصْحَابِ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ وَالْحِجَى! وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزلُ مِثْلَ مَا أَنزلَ اللَّهُ} [الْأَنْعَامِ: 93] ، (4) وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الْأَنْعَامِ: 21] ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَجُ، لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:"أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ رجلٌ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ". (5) "

{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) }

يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، ظَانِّينَ أَنَّ تِلْكَ الْآلِهَةَ تَنْفَعُهُمْ شفاعتُها عِنْدَ اللَّهِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَمْلِكُ شَيْئًا، وَلَا يَقَعُ شَيْءٌ مِمَّا يَزْعُمُونَ فِيهَا، وَلَا يَكُونُ هَذَا أَبَدًا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ} .

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهُ أَتُخَبِّرُونَ (6) اللَّهَ بِمَا لَا يَكُونُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ؟ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، فَقَالَ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .

(1) في ت، أ:"يا وبر وبر".

(2) في ت:"عمر".

(3) في ت:"بأول".

(4) في ت:"فمن".

(5) رواه الإمام أحمد في المسند (1/407) من حديث عبد الله بن مسعود ولفظه:"أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نبي أو قتل نبيا". وروى البخاري في صحيحه برقم (4073) من حديث أبي هريرة:"اشتد غضب الله على من يقتله رسول الله في سبيل الله".

(6) في ت:"تخبرون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت