فهرس الكتاب
يحنث بالوطء بين الفخذين لحمل يمينه على قصد مباعدة المعصية لما استشعر من نفسه الخوف من الله وندم؟ أو لا يحنث بذلك لأنه لا يسمّى زانيًا؟ إذ لو كان زانيًا لَلَزم الحدّ وهو لا يلزمه اتفاقًا. وإذا قلتم بالحنث فهل يحنث بالقبلة والمباشرة والمضاجعة بلا وطء؟ لحمل يمينه أيضًا على قصد المباعدة، ولقوله عليه السلام الْعَيْنَاِن تَزْنِيَانِ، [1] أو لا يحنث بذلك؟ وهو ظاهر قوله في كتاب الإيلاء من المدونة: ولا يفيء بالوطء دون الفرج ولا بالقبلة والمباشرة واللمس إلا أن الكفارة تلزمه بالوطء دون الفرج. فتخصيصه للكفارة بالوطء يدل على أن لا كفارة فيما ذكر معه من القبلة وغيرها، وإلا فما فائدة التخصيص؟
فأجاب: يظهر في هذه المسألة أنه يحنث بهذه الأشياء لوجيهين: منها أنه قصد المباعدة عن المعصية ومفسدته فيما بينه وبين مولاه، وهذه الأشياء كلها معاصي بغير خلاف، ولا يصح الإقدام عليها بالإجماع، وإن كانت صغائر والوجه الثاني أنه في باب الأيمان والحنث يقع الحنث فيها بأقل الأفعال، لأن السالبة الكلية نقيضها موجبة جزئية، وإن قلت مع ما أضاف الشرع إليها من الاحترام والاحتياط، وليست هي في باب موجبات البر من الأفعال المحلوف عليها التي لا تكون إلا بأكمل الأشياء. ولهذا قطع الكفارة بأقل الأشياء إذا فعلها، ولا يسقط حكم الحنث إلا بأكمل الأشياء في باب ثبوت الطلب بالفعل، ولذا قال لا يخرجه من الإيلاء إِلاَّ الوطء. وكذا إِذا حلف ليطأن فلا يخرجه من اليمين إلا الوطء في الفرج، لا مقدمات الوطء من مباشرة وقبلة ووطء في غير الفرج. واختلفت إذا فعل الحالف في وقت النهي عنه كوطئها حائضًا ونحو ذلك أو أكل طعامًا بعد أن فسد، وهذا دليل على طلب الكمال في باب البر، والتحنيث بالأقل في باب الحنث.
(1) تخريج.