فهرس الكتاب
أنه أمر تقريري، لأنه لما رأي ابن القاسم قال في إحدى المسألتين يرد وفي الأخرى لا يرد، اعتقد أنه إنما فرق بينهما لما ذكر من الفرق. وقد علمتم أن للناس في ذلك فروقًا وتعاليل وأنظارًا، كلهم على تصحيح قول أشهب بعدم الرد في المسألتين رعيًا لقاعدة تأخر المشروط عن شرطه، لا سيما عند مَنْ يقول إن ذلك مجمع عليه أن المشروط لا يتقدم نعم الإجماع على مَتْع تقدّم السبب، وللمالكية في المشروط قولان، فقال بعض الأيمة وهو الإمام القرافي: تعارض هنا قاعدتان:
الأولى المشروط متأخر عن الشرط فيقتضي ذلك نفوذ الخلع واستحقاق العوض، وعدم لزوم المعلق لحصول البينونة قبله.
الثانية: من شرط الشرط إمكان اجتماعه مع المشروط، لأن حكمته إنما تظهر فيه، فيحتمل المخالعة على الشروع والعزم عليها المقارن حتى يمكن الاجتماع، وكان مراعاة هذه القاعدة أولى، لأنَّ حمل تصرفات العقلاء على الاعتبار، أحق وأولى من حملها على الإلغاء والإهدار؛
فإذا تأملت مقتضى القاعدتين إذاك ذلك إلى أنه لا يلزم إلا طلقة واحدة، لأن العزم والأخذ في مبادئ الأمر وأسبابه لا يقضي وقوعه مع اجتماع الشرط مع مشروطه، وعدم اللزوم مع المشروط لا يحتاج إلى بيان وتقرير. ومما يدلّك على أن عيسى رآهُ أمرًا تقريريًا قوله فأخرج من يده ما كان يملكه من رجعتها بالذي أخذ من الصلح فلذلك لم يرد. وكذا قوله وهي في عدّة منهُ يملي رجعتها لو شاء، وإلا فكيف شاء الرجعة والخلع قاطع لَمِسِيسِه.
وكذا قول ابن رشد مضت المصالحة لوقوعها في العدة هو تقريري وبسط لقول عيسى الذي فرق بين المسألتين. ورضي الله عن ابن عبد السلام فإنَّهُ أَوْمَأَ إلى القدح في تفسير عيسى، قال وإن كان ظاهرًا ببادي الرأي، والحلف بالطلاق أن يخلع إنما حنث بالمعلق عليه وهو الخلع، وكأنه إنما عدل عن طلقة الحنث