فهرس الكتاب
فصل: وإذا ثبت هذا فلا خلاف في قول الرجل علي يمين إن لم أفعل كذا وكذا أن اليمين ليس من صريح الطلاق، فإذا قال علي يمينان فحنث فعليه كفارتان إلا أن ينوي بإحداهما طلاقا، فيكون طلقة واحدة، أو ينوي بهما جميعًا الطلاق فيكون طلقتين. فإذا قال علي أيمان ثم حنث كان عليه ثلاث كفارات، إلا أن ينوي بقلبه تطليقات فيكون مطلقًا بحسب ما نوى. ف إن قال علي الأيمان، بالألف واللام، أو الأيمان اللازمة لي ولم ينو طلاقا بها ولا بواحد منها وإنما سمع الناس يقولونها عند الحلف فقالها، فيلزمه على قياس ما تقدم، أو لا يكون هذا من صريح الطلاق.
فإن قلت: الطلاق يمين، فإن أدخله في جملة الأيمان، والألف واللام تدل على استغراق الجنس وعموم اللفظ، فقد دخل الطلاق وغيره من الأيمان في هذا القول. ويدلك على أن الطلاق من جملة الأيمان أنه يقال حلفت بالطلاق كما يقال حلفت بالله.
فنقول: إن جاز لك أن تقول حلفت بالطلاق فليس يجوز أقسمت بالطلاق كما تقول أقسمت بالله، واليمين هو القسم، فإِذَنْ ليس الحلف كالقسم، ولا نسلم أيضًا أنه يقال حلفت بالطلاق حقيقة ولا يدْخل في جنس الأيمان كما لا يدخل في جنس الأسد من كان رجلًا شجاعًا، وإن كان قد يقال له أسد على المجاز، ولا يدخل في جنس النيران إذا ذكرتها باللألف واللام الشرور الواقعة بين الناس، ولا نار الوجد والشوق، وإن كان قد يقال لها نار على المجاز، فكذلك لا يدخل تحت قوله الأيمان ما يسمى حلفًا على المجاز. وبرهان المسألة وتمام بيانها في كتاب الله العزيز، وذلك أن الله سبحانه قال في كتابه العزيز في الأيمان المحلوف بها: { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ } فجاء بلفظ الجمع فانتظم في الكلام جميع أيمان المسلمين، ولا خلاف بين المسلمين