الدرهم يهبط في القلسطون من كل جهة، ويكون المردود عليه يهبط فيه من جهة واحدة وبالعكس، فقد تحقق عدم التساوي بين الدرهمين، ولكن سمحوا بهذا للضرورة مراعاة لمذهب أهل العراق، فإنهم يجيزون فضة بفضة وسلعة، ويجعلون ما يقابل ما نقص من الفضة عن الفضة الأخرى في مقابلة السلعة، والإمام قد راعى هذا في مسألة الرد، وهم لا يشترطون تساوي الفضتين، فكذلك يلزم في هذا، فعلى هذا يجوز رد القيراط من غير وزن إذا لم يوجد له ميزان واضطر لذلك، لأنه إذا كان من تقدم من الشيوخ لا يمنع الرد بالقلسطون للضرورة وهو يتحقق فيه التفاضل لكون أحد الدرهمين أكثر وزنًا من الآخر ومراعاة لمذهب أبي حنيفة ولقول الإمام أجزناه لضرورة الناس ولأنهم لا يقصدون به صرفًا فكذلك هذا، وقد أخبرني ( ) [1] وابن القباب رحمهما الله أنه إذا كان المردود وازنا في بعض الموازين لا يلزم البائع بدله، لأنه كالاختلاف في وجود العيب، فلم يراعيا ما يتوقع في الربا، ووجه ذلك ما تقدم، والله أعلم، ووجه آخر أن اعتبار الوزن في الرد لم ينقل عن مالك ولا عن أحد من أصحابه المتقدمين فيما يذكر، وإنما ذكره ابن الكاتب تأويلا عن مسألة ابن البلاط لما سال ابن عمر، وهي الواقعة في كتاب الصرف من المدونة، وإلى جواز الرد بغير قلسطون ولا ميزان عند تعذرهما كان يذهب شيخنا الخطيب أبو عبد الله الحفار رحمه الله، تلقيت ذلك أنا منه، واحتج بما ذكرته، وهو بين إذا نظر في المسألة بالانصاف، والذي يظهر - والله اعلم - أن الذي يعتبر من الشروط في الرد ما كان الخروج عنه يؤدي إلى الربا المتفق عليها بين أهل المذاهب المعتمدة، مثل عدم التناجز أو الرد على الهبة والصدقة والسلف وما أشبه ذلك، وأما ما اختلف فيه فيجوز للضرورة، لأن مالكًا رضي الله عنه خالف أصله لذلك، فإن منعنا من غير نص منه على المنع خالفنا أصله الذي اعتمده من مراعاة الخلاف للضرورة.
(1) هنا بياض مقدار كلمة في النسخ المعتمدة.