وقد سئل ابن رشد عن رجل أصابه الكبر وله مال وبنون ولم تكن له امرأة فآوى إلى كبير بنيه وأشهد على نفسه قبل موته بأعوام أن لابنه الذي يؤويه عليه دينًا من نفقة ذكر أنه أنفقها عليه ومن ديون ذكر أنه أداها عنه إلى غرماء ذكر أنه عاملهم قديمًا وكتب بذلك عقدًا وأشهد الابن أن الذي أدى إلى غرماء أبيه كان من ماله ومال زوجته فصير إليهما في ذلك مالًا وعقد لهما بذلك وبقي الابن يعتمر الأملاك والأب متماد على إشهاده بما شهد به أولًا ثم مات الأب وقام ورثته ينزلون معه بالميراث فيها فاستظهر بعقد أبيه المذكور وثبت أن له ذلك فقال الورثة: إن أبانا كان يميل إليك وكنت تتملكه بضعفه وحاجته إلى
الكون معك مع تفضيله لك قديمًا فخدعته، وإنما كان يقول ويفعل ما تأمره به وأدخلت بيننا وبينه العداوة حتى ولج إليك ماله مع أن أبانا كان ماله يقوم به ويفضل له منه بل كنت أنت تتصرف في ماله وتحكم فيه وتصرفه في منافعك ولا يقدر معك على شيء واثبتوا جميع ذلك ولم يجد الابن المصير غليه بينة على أن أباه كان أدان دينًا فأداه عنه ولم يعرف ذلك إلا بقول الابن. وأشهد أنه كان غنيًا عن أخذ الدين.
فأجاب: إذا كان الأب صحيحًا يوم أشهد لابنه بما أشهد لا مرض له إلا الضعف من الكبر فيصح للابن جميع ما أشهد له به.
فإن قلت: أنت لما بنيت المتقدم كله على أن الإقرار بالمائة والخمسين كان في الصحة، ثم لك ما رتبته على ذلك من خروجها من رأس المال، لكنك أعرضت عن الالتفات إلى زمن الاعتراف، كان مرض الوباء كثيرًا ببلد المعترف المذكور. وقد اتلف متأخرو التونسيين في الصحيح في زمن الوباء الكثير، هل حكمه حكم المحجور عليه أو لا؟ فقال بعضهم: حكمه حكم حاضر الزحف أو أشد إذا كان الوباء ذريعا يذهب بكثير مثل النصف أو الثلث أو نحو ذلك.